تزداد تعقيدات الحياه الحديثه كل يوم، وتزداد الاضطرابات الاقتصادية والأزمات المالية، وتشتعل الحروب والنزاعات في كل مكان، وميدان الصراعات هو الكرة الأرضية البائسة، والتي تحمل على ظهرها من الأسلحة والأحقاد ما يكفي لتدميرها مئات المرات ويتنازع أهلها الموارد من طعام وشراب ومياه،. وميدان الصراع أيضًا هى تلك النفس البشرية، العميقه عمق البحار الغائره والمتسعة اتساع الكون، والمعقدة التركيب المتشابكة التكوين.

«الدفاع القوي الناجح ضد كل الأمراض النفسية مهما تطور العلم وزادت الأبحاث، هو وجود إنسان (ولو واحد) قابلك واهتم بك ويحبك حبًا حقيقيًا غير مشروط».

ومع بزوغ فجر كل يوم يزداد ما لدينا من وسائل الراحة والرفاهية وتتطور الاختراعات والإبداعات. بينما يزداد شقاء الإنسان، وفراغ روحه وشتات نفسه وشراهة ماديته. يزداد حب الامتلاك والاقتناء والاستهلاك فلا تمنحنا الأشياء إلا مزيدًا من الفقد والفراغ والتشتت والإغراق واليأس.

وفي غمرة الصراع الخارجي والداخلي يبحث الناس عن دواء لأرواحهم الجريحة، والتئام لأنفسهم المصابة، ودليلًا لعقولهم الحائرة وتفسيرًا لظواهر أنفسهم المتقلبة. يبحثون عن السلام في أرواحهم سلامًا نفسيًا وراحة وسكونًا يستظلون بظله من قيظ وصخب وصراعات الحياة المتلاحقة.

«من الممكن لعلاقة أن تصعد بك لسابع سماء، وعلاقة أخرى تهوي بك سابع أرض. ما يفسد ويشوه ويؤذي الناس علاقة. وما يصلح ويغير ويعالج الناس أيضًا علاقة. نحن نكبر من خلال علاقاتنا مع بعض».

وبدا الآباء والأمهات أيضًا مشغولين بمعضلة التربية الحديثه في زمن الأسئلة الصعبة والأجوبة المستحليه، وانشغل جل البشر من كل دين وعرق وثقافة في بناء الأطفال وإعدادهم لغد أفضل ومستقبل جميل.

والواقع إننا نشهد تراجعًا دراماتيكيًا لفكرة التنمية البشرية تحت وطأة النقد الإنساني والتفنيد العلمي والتحليل الأكاديمي. لقد فشلت أطروحات تطوير الذات في البرهنة على أصالة مرجعيتها ونجاعة أساليبها وتراجعت وهوت أمام الضربات المتلاحقة والرفض المتتابع.

أدت هذه العوامل كلها إلى استدعاء علم النفس وعلوم الاجتماع إلى صدارة المشهد، فربما تساعد هذه العلوم في تفسير ما يحدث في عمق هذه الصراعات الإنسانية المركبة.

«الدفاع القوي الناجح ضد كل الأمراض النفسية مهما تطور العلم وزادت الأبحاث، هو وجود إنسان (ولو واحد) قابلك ومهتم بك ويحبك حبا حقيقيا غير مشروط».

برز نجوم عظام سبروا أغوار النفس البشرية وعاداتها وسلوكيتها ودوافعها حتى ابن خلدون برزت كتاباته التي كتبت منذ مئات السنوات في رائعته المقدمة محاولًا تفسير أحوال الإنسان وطبائعه وعاداته ودوافع تصرفاته.

ولعل بروز نجم ساطع جديد في سماء الإرشاد النفسي والتوجيه السلوكي والعلاج المعرفي، وهو الرائع الدكتور محمد طه الذي انطلق قويًا لامعًا جذابًا جميلًا. لقد أبدع محمد طه في تحويل الطب النفسي إلى سلسلة من أدب الشارع (إن صح التعبير) وحكايات الناس وقصص الواقع التي نعيشها جميعًا.

«لحظة أمان واحدة ممكن أن تكون هي حائط الصد ضد صدمة نفسية مفاجئة».

لقد قرأ محمد طه مكنون نفوسنا وتعقيدات طفولتنا وشرح ووصف دوافع تصرفاتنا وأسباب انفعالاتنا، كتب بالعامية المصريه فلمس القلوب من حيث جذب الأسماع واستخدم أسلوب المخاطب والمتكلم، فأدخل الجميع بهدوء إلى عيادة الطبيب النفسي وفتح قلوبهم وقرأ عقولهم، لقد قام بتشريح مجتمعنا ووصف أمراض العلاقات وتابوهات التربية الخاطئة والتنشئة العقيمة. وفي كتابه الرائع المبسط الخروج عن النص وصف «اللوك» الجمعي القاتل والمستشري بين الناس.

«خط الرجعة الأخير ضد الاكتئاب والقلق واضطرابات الشخصية، في وجود كل أنواع الأدوية والعقاقير، هو علاقة إنسانية توصلك لحقك في أن تكون نفسك، بدون أن تدفع أى ثمن».

لقد كانت كتاباته صرخة في وجه العميان الذين يمسكون أيديهم ببعضهم ويهوي الأول في حفرة سحيقة ويتبعه الآخرون بلا روية ولا بصيرة. وصف وفند سوء اعتقادتنا وخطأ برمجتنا الأولى وواقعنا المظلم. أطلق طه مجموعة من مفاهيم علم النفس الإيجابي في صورة جذابة ورائعة ووصف المعرفة والثقافة النفسية إنها من أساسيات الحياة الإنسانية السعيدة، وأطلق لعنان خيال القارئ تفسير تلك الاستعارات والتشبيهات الغنية فتجد تعبير جهاد الجينات هو جهاد نفسي عميق يكمن في جهد الإنسان في محاولة إيقاف أثر السلوكيات النفسية المدمرة الموروثة بين الأجيال، والتي ينقلها الآباء إلى الأبناء وكيف يمكننا أن نوقفها، نوقف هذا المرض الواثي المنقول من جيل إلى جيل.

«هناك ناس هوايتها الاقتحام، اقتحام الآخرين، يقترب منك، ويقترب أكثر، ويجدك فاتحًا حدودك، فيدخل، ويتجول، ويشعر أن المكان مكانه، فيمكث، ويبدأ في استهلاك مشاعرك، فيجعلك تحزن مكانه، وتتألم مكانه، وتحمل همومه بالنيابة عنه، ثم يبدأ في إنهاك أفكارك، فتحتار في مشاكله، وتتردد في قراراته، وتعاني في كل خطوة يخطوها هو، وبعد قليل أيضًا يبدأ في توجيه تصرفاتك لحسابه، ورسم سلوكك لصالحه، وانس، انس نفسك يعني»

ثم أتحفنا في مخطوطه الأروع «علاقات خطرة» بما لا نعرفه أبدًا عن أنواع علاقاتنا وألقى في وجهنا ببساطة ما يدمي القلوب والأرواح «إما علاقة تشفي وتلهم أو علاقات تدمر وتكسر».

إن الاهتمام النفسي بالأطفال الصغار ليجنبهم الكثير من الأزمات النفسية في مراحل العمر المتتالية، إن الجوع المرضي للقبول والنهم الحثيث للاهتمام هو نابع من فقد الأمان لدى الطفل وافتقاده للحب والاهتمام من والديه، إن ما نسمعه الآن لأبنائنا صغارًا يترك بصماته إلى الأبد في أرواح أبنائنا وبناتنا.

لقد دخل محمد طه إلى عش الدبابير ومنطقة الألغام والموروثات الاجتماعية العتيقة والتي تلبس بر الوالدين الواجب خلقًا ودينًا ما ليس فيه من التنازل التام عن الشخصية والرغبات والرأي والقناعات في اختيار مجالات الحياة أو شريك الحياة، هذا لن يكون أبدًا برًا بهم، ولكنه حتمًا سيكون قتلًا لذوات الأبناء ونفوسهم ومشاعرهم وأحاسيسهم ويورثهم مستقبلا مشتتًا ومعاناة مستمرة.

«البر الحقيقي بالآباء أن تكون نفسك، وليس أن تسلمهم نفسك أو تعبدهم أو تقدسهم أو تنزلهم منزلة الله».

يصرخ محمد طه صرخة قوية وينادي بكل حرقة وصدق إلى كل النائمين والمتقوقعين والمتحجرين إلى كل صامي الأذان مغمضي العينين إلى قلوب اهترأت عليها أقفالها، تحركوا انضجوا تغيروا واسمحوا لأنفسكم بالتغير حتى لا تعضوا على نواجزكم حينما يطرق الوعي أبواب بيتوكم.

«زلزال الوعي النفسي حقًا يهز الكيان بمنتهى الرحمة، ويحدث انفجار روحي مليء بالأحزان والورود وتتردد هزاته فتلهب بركانًا هائلًا من الحقوق الاحتياجات والمطالب لروح وجسد مَوءود بعثت فيه الحياة من جديد».

إن تغيير الوعي وتحديث البرمجات الأولى الخاطئة من خلال العلاج النفسي الذاتي المتاح الآن من مصادر المعرفة المختلفة من القراءة ومصادر المعرفة من الإنترنت أو السفر وتبادل الخبرات الإنسانية مع البشر من كل مكان هو واجب الوقت على كل إنسان برًا بنفسه وتكريمًا لروحه وعقله وقلبه.

إن الوعي النفسي الإيجابي لم ولن يبنى أبدا من خلال وسائل التواصل التي تنهك أرواحنا وتستنزف مشاعرنا، وأن الحل الوحيد هو مزيد من المعرفة المستقاة من مصادر المعارف الحقيقية والمستمدة من أهل التخصص لتزيد بلا شك الوعي الإنساني وتجعله يتمدد و يتعمق ويتوسع وتتغير قناعات الإنسان المزيفة غير الحقيقية.

ومع كل نبضة احتياج جديد قديم يتكشف ومع كل لمعة عين هناك حق يطالب بيه مع كل ضربة قلب في قرار جديد يتحول الإنسان ويفيق بعد ثبات طويل.

«العلاقات الطيبة هي أكسير الحياة، وهي الترياق الوحيد ضد الذبول الروحي، والموت النفسي».

لقد تغير مفهوم علم النفس فبينما كل علم النفس يعنى في السنوات الماضية بعلاج المشكلات النفسية، فإن السنوات القادمة ستشهد دورًا ملحوظًا لعلم النفس في تعزيز السعادة والحب والثقة أي إنه بالنظر إلى خط الأعداد يمكننا القول إن علم النفس في السابق كان معنيا بتحويل -8 إلى -2 أما الآن فإنه معني بتحويل +2 الي +8 لقد بدأت حقبة جديدة من علم النفس الإيجابي.

لقد قدم محمد طه علم النفس الإيجابي إلينا على طبق من ذهب، ويسر المعرفة لمن أراد وحاول بكل قوة كلماته وصدق سطوره وإبداع كتاباته، أن يجعلنا ندرك معنى تعزيز السعادة والحب والهدوء والسلام النفسي ووضع أمامنا الحقيقة العارية والقيمة الأصيلة والكنز الكبير بأن جعل الإنسان أكثر تفاؤلًا وأكثر إنسانية ورحمة ورضا وقناعة وسعيد لا يزداد نصيبه من رزق السعادة وتخففه من المآسي والآلام، خير من سعيه لزيادة رزقه المادي وحجم أمواله ومدخراته، وإن دينار راحة بال خير من قنطار من الذهب. اللهم ارزقنا بعلاقة تشفي بها أرواحنا وتلتئم بها جراح أنفسنا وتعوضنا بها خيرًا مما فقدنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد