الهمام عيسى

158

الهمام عيسى

158

أنا لا أخسر أبدًا فإما أن أربح أو أتعلم!

– نيلسون مانديلا.

لن تعرف ما معنى الحياة إلا عند أول سقوط حقيقي لك، ولن تعرف حقيقتها إلا عند أول ضربة موجعة تصيبك منها عندها قد ترغب وبكل بساطة أن تبقى ممددًا حيث رمتك ضربتها مستقبلًا السماء بوجهك المليء بالكدمات وعاقدًا يديك على بطنك وأنت تفكر في النهوض من أجل استكمال باقِي الجولات. نصيحتي لك، لا تنهض فورًا فأمامك متسع من الوقت للنهوض فما زال الحكم يعدّ، استغل هذه اللحظات وأنت تراقب السماء بكل هدوء. حاول أن تلتقط أنفاسك أنت تستحق هذه الثواني بعد كل الذي مررت به.

لا تنهض قبل أن تفكر بجدية كيف ستتغلب عليها وقد منحتك الوقت للتفكير والتخطيط وترتيب أوجاعك وآلامك وخوفك في مكان تكون فيه معينًا لك في القادمات من الجولات لا معيقًا لحركتك ومناوراتك. كن ذكيًا واستغل سقوطك في تكوين أكبر فكرة ممكنة عن التجربة التي وصلت بك إلى هذا المكان، كن هادئًا وتعامل مع آلامك بحنكة ودهاء ولا تكن ردود أفعالك غير مدروسة لأنك عندها ستكون مؤهلًا لتلقي المزيد من الضربات الموجعة والتي قد تصل بك حد الشلل. كن منطقيًا، حلل واستنتج فكر جيدًا قبل أن تأتي خطوتك التالية ولا تعتمد أسلوب الرد على كل ما يصيبك بل على العكس كن غير متوقع بذلك سوف تفاجئ الحياة بشخص جديد فتربكها ثم تنقض عليها في الوقت المناسب.

التسرع في اتخاذ القرارات بعد السقوط وإن كان من باب تدارك الأمر هو خطأ قد يكون ذا ضرر أكبر من السقوط بحد ذاته خذ وقتك قدر المستطاع، على أن لا تكون كثير التردد فتضيع الفرص منك. تعلم واعتبر أن كل ما يصيبك من خبرات قد سببت لك الألم هي في النهاية أمر لابد لكل ابن آدم أن يعيشها فلا تنظر لنفسك على أنك شخص مميز عن باقي الناس وأنه ليس من المفروض أن تمر بما مررت به فتزيد ألمك وحسرتك من غير طائل. لا تنهض قبل أن تتأكد بأن الخطوة القادمة لك ستكون في مكانها الصحيح وأنها ستعود عليك بشيء ولو كان بسيطًا من التعويض والمنفعة.

الآن كن دائم الابتسام لكل ما تعيشه لا تظهر حزنك وتعبك وهمك فتلفت الأنظار إليك بين من يشعر بالشفقة عليك ومن يتشمت بألمك، لا طائل من كل هذا صدقني شعورك بأنك ضحية لا يعني أن الجلاد في انتظار القصاص أو أنه الآن مستعد لتعويضك أنت فقط انظر إلى ما حدث على أنها منافسة قد أدخلتك فيها الظروف فخرجت منها خاسرًا، حسنًا صدقني أنت لم تخسر بعد كل شيء بل على العكس أنت الآن أكثر جهوزية للمنافسة القادمة وهذه المنافسة لابد أنها قريبة لأن الحياة عبارة عن معمل كبير يصنع لنا التجارب والامتحانات ويخضعنا لها رغمًا عنّا فهنيئًا لمن عاش تجاربه وامتحاناته وهي بنظره سبيل إلى إنسان أقوى.

ولا تنظر إلى كل ما تمر به على أنه سوء حظ أو أنه تقديرات إلهية لا يقصد الرب منها إلا أن يراك حزينًا، لا أبدًا لأن الرب لا يهمه أن يراك حزينًا فهو عندما يضعك فيما مررت به فإنه يكرمك ويحاول أن يجعل منك إنسانًا يمثل له الحقيقة التي خلقت لأجلها وهي إنسان قوي شجاع مرن ذكي وفطن، وهذه الصفات لن تكتسبها من التجارب البسيطة السهلة أو من الحياة التي تتسم برغد العيش والسهولة في الوصول للأهداف المختارة.

الغبي هو من يعيد تكرار نفس التجربة ضمن نفس الظروف وينتظر نتيجة مختلفة في كل مرّة. -أينشتاين.

بعد أن تستعيد ثقتك بنفسك وتبدأ مؤشرات الاعتداد بالنفس لديك ترتفع ادرس ما مررت به جيدًا وقيم ما تعلمته من تجربتك هذه وانظر حيث أخطأت في اتخاذ قرار ما أو حيث أخذت خطوة في اتجاه ما فكانت خطوة في غير مكانها أو كان توقيتها خاطئًا، ثم حدد أهدافك بوضوح وابدأ عملية ترميم للأضرار التي عايشتها إن كان ماديًا أو معنويًا وصدقني لطالما كان الضرر المادي هينًا أمام الضرر المعنوي فلا تنظر للمادة كثيرًا فهي سهلة التعويض فلطالما كان جرح القلب صعب الشفاء ولطالما كان ألم النفس أشدّ وطأة.

وإياك ثم إياك أن تكرر نفس الأخطاء تعلم منها جيدًا فلا تكن خجولًا بل كن وقحًا فيما يخص تكرار الأخطاء تجرأ وأقدم على أخذ حركات جديدة غير متوقعة على أن تكون مدروسة ومحسوبة أيضًا. تذكر أنه قد تغريك الكثير من الأمور لإعادة نفس التجربة الحياتية خاصة إذا كانت هذه المغريات عاطفية فسوف تدعوك بكل جرأة حتى تكرر نفس القرارات التي أسقطتك سابقًا، لا تكررها ولا تسمح لها بالتحكم بك تحت أي ظرف وردّ كل متطلباتها وإغراءاتها للعقل ومنطق المصلحة والمنفعة.

لا تعتمد على نفس الأشخاص الذين كانوا معك سابقًا فكانوا بلا فائدة أو كانوا أصحاب ضرر حتى، لا تثق بهم ولا تولهم أي اهتمام حقيقي ابحث عن من يكون أهلًا للصداقة صاحب قدرة على احتمالك في عز حاجتك إليه. غير الظروف المحيطة بك ولا تتجاهلها فهي في النهاية جزء من بيئتك التي مهما حاولت فلن تنسلخ عنها وسوف تفرض نفسها عليك مهما حاولت تجاهلها تعامل معها بطريقة مختلفة عن السابق وحاول تغييرها بما يخدم مصلحتك وهدفك. إياك أن تستسلم مهما فشلت في ذلك فتعلم فن المناورة. كن سياسيًا تارةً ودبلوماسيًا تارةً أخرى ولا تظن أن سقوطك وإن توالى هو نهاية الطريق بل اعتبر أن كل سقوط يعني طريقًا جديدًا وأن حياتك قبل السقوط لم تكن مناسبة لك وعليك أن تغيرها.

ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.

– صحيح البخاري.

ما أجمل السعادة التي نتعب ونشقى حتى قبل الوصول إليها (وأنا هنا لا أدعو إلى اتخاذ الطرق الصعبة والوعرة من أجل إثبات جدارتنا وأحقيتنا في الحصول على السعادة) إنما أحاول توضيح الفرق بين كلتا السعادتين والفرق بين قيمتهما فكم تبدو قيمة السعادة التي أتت بعد مجهود كبير عظيمة في نفوسنا وعلى الطرف الآخر يمكنك أن تلاحظ أن أولئك الذين ولدوا وقد هيأت لهم كل سبل الحياة الرغيدة وعاشوها دون أي عناء للوصول إليها دائمًا ما يشكون من شيء ينقصهم صدقوني ما هم بحاجة إليه هو أن يعيشوا التجارب الحقيقية التي تأخذهم في النهاية إلى سعادة ذات نكهة حقيقية وقوام صحيح لأن التعب في الوصول للمراد سيكون الوجه الجميل لما ستحصل عليه في النهاية.

لا تسمح للفشل أن يكون سيد الموقف في حياتك أنت في كل الحالات لن تمنعه من أن يكون ولو بشكل جزئي رفيقًا لمسيرتك في هذه الحياة، انظر إليه على أنه الصديق الحقيقي الذي سيكشف لك الحقيقة دون مواربة أو مجاملة. عندما تسقط ستعرف صديقك الحقيقي من المزيف وستسقط الكثير من الأقنعة التي لطالما كانت توهمك بأنك بخير وبأنك قوي. مع السقوط ستكتشف مواطن الهشاشة في حياتك عندها فقط ستعرف نقاط قوتك وضعفك فتواجه الحياة وتجاربها بالطريقة الصحيحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك