منذ نشأة الإنسان وبدء رحلته الوجودية في الحياة، تبدأ معه الاختبارات وتسير معه كظله في حله وترحاله، تبقى ملازمة له حتى اللحظة التي تفارق فيها الروح الجسد، تحدد أفقه وتقيد معالم طريقه، تضبط صراطه المرصع بالأشواك والعلل، ليبقى الإنسان في تقلب دائم بين فرح وألم، بين موت وحياة.

 رحلة طويلة هي، مليئة بالصعاب والتحديات، تجتاز فيها محطات عديدة، وعند كل محطة هناك اختبار صعب ينتظرك في نهاية الطريق، تختبرك الحياة لتوقظك بصفعة قوية علك تقوى بها على مواجهة تحدياتك، لتوقظك من سبات كنت فيه نائما في ظلام حالك، وما تلك الامتحانات إلا فرز للأرواح وتصفية لها لمعرفة من سيتأهل منها ويفوز، ومن سيفشل ويخسر في النهاية، فيرى الإنسان بأم عينيه تلك النتيجة ويقر بها من صميم وجدانه.

 عقود البراءة والعفوية التي كانت ملفوفة على قلبك منذ أن كنت طفلا في حضن أمك، تفسخ عقدها واحدة تلو الأخرى، إلى أن تحل كل تلك العقد لتصير في النهاية رجلاً عاقلاً فاهمًا لمتاهات الحياة، إلى أن تصير كهلا وتغزو شعيرات بيضاء رأسك وذقنك، تلك الشعيرات التي تلمع على رؤوس الكهال ببريق البياض، تدل على أن صاحبها قد ذاق من متاهات الحياة وشظف عيشها سما جرى فيه مجرى الدم وتجرع منه مرارة الألم، حتى غدا بصيرًا بكل تجارب الحياة القاسية، تلك علامة الرجولة والكياسة التي من الصعب أن يصل الإنسان لمحطتها الأخيرة.

 امتحان وراء آخر، وسقوط بعده نهوض جديد، سقوط تقوى به وتنال به درجات أعلى أو دركات أسفل، كل سقوط هو أمر وأعتى من الذي قبله، تختبرك الحياة في أقرب الناس إليك، لتريك أن الوجوه مهما بدت لك في الخارج قبيحة أو حسنة، تحمل في طياتها إنسانا آخر غير الذي تراه بأم عينيك، فالقلب يرى ما تعجز العين عن بصيرته، تريك أن للقلوب غطاء ملفوفًا يصعب عليك اقتحامه، فالثقة هي عملة صعبة ونادرة، إذا فقدت لن تعود كسابق عهدها، فلاتناولها إلا لمن صاحبته لزمان طويل وعرفته أكثر من نفسك، كي تبقى العملة على حالها ثابتة لا تتغير.

 تمتحنك الحياة لكنها تضع بداخلك مقياسًا تزن به النحاس من الذهب، والصديق من الخائن، تختبرك في دينك وتغريك بشهوات وملذات تفتن بها إيمانك، تريك في النهاية أن الإسلام دين ليس بالهين، ينبغي أن تعضض عليه بنواجدك ليبقى تابثا في قلبك لاتحركه نزوات ولاتغره ملذات، تريك أن الحرام سهل لكنه طريق للضلال، وأن الحلال صعب لكنه طريق للهدى، تريك أن المقامات العلى تتطلب تضحيات أكبر وعمل شاق للغاية كي تصل لجنة عرضها السماوات والارض، لتعيش في نعيم دائم وسعادة منقطعة النظير.

تختبرك الحياة في مالك وعرضك ودينك، في علمك وأهلك ووطنك، وفي كل شيء بحياتك، وفي نهاية مسارك ستجتاز امتحانا آخر في ظلمات قبرك، ملكان يختبرانك في دينك، امتحان العمر، إما جنة أو نار.

 ستريك الحياة مالم تتوقعه منها يوما ما، ستتعلم منها مالم تتعلمه في المدرسة والشارع والبيت، ستحطمك في العديد من الأحيان وتسقطك على جبينك بكل قوة وعنف، ستتجرع منها مرارة الألم وتدنفك من الموت والفقر والكآبة. تضربك بكل قواها لكنها توقظك في النهاية على وقع شيء جميل تغريك به لتحيي الأمل في داخلك من جديد. بريق من الأمل الذي يوقظك من جديد على مسرح الحلم، لكن مصائبا أخرى تكتب ما وراء ستار المسرح، لتبدل مصيرك نحو الأسوء في قادم الأيام.

 لن تترك في سعادة دائمة ورغد مستمر، ولو جمعت من مال الدنيا مايغنيك عن كل الناس، ولبست من الثياب والحلى ما تتجمل به في كل أيام حياتك، لو سكنت في قصر فيه كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وتزوجت من الفتيات مايغنيك عن نساء العالمين، لابتلتك الحياة في كل ماتملك، وأذاقتك من مرها وحلوها ما يذوقه الفقير في كهفه والمتسول في جحره، لأذاقتك من الأمراض والأوجاع ما يعجز كبار الأطباء عن علاجه وتحار فيه كبار عقول المختصيين، فلا توجد راحة دائمة ولا حزن مستمر في حياة وجدت للامتحان والاختبار . 

 لايمكن للإنسان أن يتصفى من معدن الحياة ويكتشف جوهره النفيس ومعدنه الصلب إلا بعد الامتحان، وكذلك المجتمع، لا يتماسك بنيانه ويتقوى فولاذه بدون امتحان، فالزيتون لا يخرج الزيت من صلبه إلا بعد تصفية شاقة له تدوم لساعات، والنحل لا يخرج العسل إلا بعد تنافر كل الجهود وعمل لسنة كاملة، فالأرواح التي تجتاز الامتحانات تتقوى بنيانها وتنطلق كالسهم لتحقق الهدف المنشود وفق غاية محددة، وتأكد في النهاية أن الحياة لن تعطيك ما تتمنى إلا إذا ناولتها كل ماتملك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد