وأنا ابن الثماني سنوات توفيّ جدي، فلا أعرف عنة إلا قليلًا، لكني وجدتة طيّبًا؛ كنت طفلًا حينئذٍ، وكان يأتي لي بمجموعة أموال ورقية: ٤٠ أو ٢٠ ورقة غالبًا.. وكل ورقة تساوي 50 دينارًا آنذاك.

كنت أخدع نفسي وأقول هذه دولارات!

و أذهب إلى الأسواق، وأشتري عصائر وبسكويت. ذات مرة ألغت الحكومة إصدار هذه العملة، أخذت بعض هذه الأوراق وهددتُ لأشتري، قال لي البائع هذة العملة خرافة! وتذمر عليّ. جاء جدي لمنزلنا وقلت له هذا الكلام، فقال لي وهو يضحك:

الحياة بسيطة جدًا، لدرجة أنّها لا تتقبّل الخمسين دينار.

يبدو عليه إنة كان يريد وعظي رحمه الله. والآن فهمت ذلك الكلام، لكن الحياة يا جدي ليست بسيطة؛ فهي صعبة لدرجة أن الخمسين دينارًا عليها ثقيلة، ويجب العمل كي نحصد، لا أن تهديني باستمرار.

جدتي الحبيبة والدة أمي، رحمها الله، كنت ابن السادسة حينها، وتوفيت، أذكر أنّها كانت تهوى العمل، فكانت تنسج لتصنع السجّاد، وتخبز الخبز، وإلى وقت وفاتها ظلّت على هذه الحال.

جدتي شخصية عظيمة؛ فهي أول من علمتني احترام العمل والحيوان، فالحين هي تسلك طريق هاوية الموت، كانت تنسج السجّاد؛ وكانت قد اشترت خروفًا ذات مرة، وربطته في حديقتها الكبيرة عند شجرة التين، جئتُ حينها وصعدت فوقه وضربته بالحديدة ليمشي. غضبت جدتي كثيرًا، وبعدها نادت علي وقالت لي:

العب مع الخروف ولا تؤذه؛ فهو إنسان غير ناطق.

صدقت جدتي، فالحيوان إنسان غير ناطق، والإنسان حيوان ناطق. الواضح إن الحيوان له إنسانية أكثر من الإنسان، فملايين البشر يموتون في سوريا، غزة، العراق، الصومال، اليمن، إثيوبيا… في كل أنحاء الأرض هناك ظلم، وقتل، وانتهاك لحرمات الناس، بدون رحمة، يثبت لنا أن كل ما تعلمناه عن الإنسانية أكاذيب.

لاحظو هنالك ٧ مليار إنسان تقريبًا على الأرض، مقسمون لآلاف الأديان، وكل دين مقسم لمليون مذهب، وكل مذهب به ألف طائفة، وكل طائفة تقول إنها على حق، ويجب على مخالفيها الموت.

فضلًا عن الأفكار السياسية: ديني، علماني، شيوعي، وتنقسم إلى ليبرالية، قومية ومنها إلى رأسمالية، اشتراكية، يمانية، يسارية… وكل هؤلاء مقسمون لسود وبيض، حيث الأسود لا زال عبدًا، والأبيض حرًا، ومنة ينقسمون لإنجليز وعرب وترك وفرس وكرد وأمازيغ و…

يقول ذو الفقار، شخصية إسطورية في كتاب بويراز كاريال التركي الذي اقتبس من مسلسل بويراز، وهو يغازل حبيبته: يا ذات عين الحمار، أنتِ أجمل من الإنسانية كلهاقالت له: لِمَ تُفضلني على شيء غير واقعي وأكذوبة بالأساس؟
بالفعل، الواقع أنّ الإنسانية غير واقعية، لهذا فرأيي يلزم أن نتعلم الحيوانية لا الإنسانية.

مثلًا يجب علينا أن نتعلم وفاء الكلب، وتحمُّل الحمار، ونحو ذلك، من خلال ذلك يُبنى عندنا مفهوم الإنسانية الحقيقي.

جدّي الحبيب رحمه الله تعلمت من خلال وعظه لي أن الحياة صعبة، ويثقل عليها القروش البسيطة، لكن جدتي رحمة الله عليها نفت ذلك؛ فهي تعمل لكي تجعل الحياة بسيطة.

باعتقادي أنّ الحياة صعبة في ظل انعدام الإنسانية، نعم، وبذلك أوافق جدي. لكن أرى بنفس الوقت ألا أكون يائسًا وأعتمد على آخرين ليعطوني ما أريد وأتذوق طعم الذِلّة، يجب أن أعمل كي يكون حصاد الدنيا سهلًا، وبذلك أوافق جدتي، بالطبع.. مع مراعاة نوعية العمل؛ فهناك أعمال يعتبرها المجتمع السخيف عارًا، ومن يقول أرضِ نفسك، ولا ترضي المجتمع، برأيي هذه مثالية، المجتمع أولًا، وأنتَ ثانيًا، وهذا واقع. مع أنّ رأي جدّي وجدتي متناقضان لبعضهما، لكنني أجد أن الموعظة بالجمع بين الرأيين، أي يصح أن نقول: العمل صعب، والحياة صعبة، لكن مراعاة الحياة تستوجب الصعوبة.

العمل عند العرب صعب الحصول. ففي العالم الثالث عامةً، والدول العربية خاصةً، عندهم الدراسة الأكاديمية هي مقياس الذكاء؛ وطريق المستقبل. والحقيقة أن هذه سذاجة. فقط السُذّج من يقولون ذلك؛ لأن منهاج الدراسة الأكاديمية مبني على التلقين، لا العقل الحر، فهو محصور في موضوعات معينة، لا يطلع على جميع الموضوعات، وبذلك المتلقي هنا ينحصر في موضوع مُعيّن. على سبيل المثال في الابتدائي يقول في أحد الموضوعات: إنّ السمكة تعيش في الماء. وبذلك يكون التلميذ يكون قد عرف أن السمكة لا تعيش في الرمل، وتبقى هذة الفكرة معه حتى الموت.

لكن لو قمنا بتغيير ذلك قليلًا؛ وكتبنا في المنهج أن السمكة تعيش في الرمل، لكن الصيّادين يخرجونها منه ويضعونها في الماء لينظفوا الرمل. تخيّلوا معي أن جيلًا كاملًا قد تلقّن هذه الفكرة؛ لدمر الناس.

الآن يقول القارئ الكريم.. هذه تفاهة، نعم نتفق على أنّ الناس ساذجة، لكن للسذاجة حدود، في وقتنا الحالي عندنا إنترنت وتكنولوجيا، والناس عيونها 6/6، ليس مثلك ترتدي النظّارة.

لنتفق سويًا على فكرة النظّارة والقدر الذي جعلني أرتديها؛ ولكن بشرط أن نتفق على أن الناس أتفة وأكثر سذاجة مما قد تتخيّلون. في درس التاريخ بالدول العربية، يتم تبيين غزوات الأمويين والعباسيين والفاطميين والأيوبيين على أنّها فتوحات إسلامية عظيمة، و… لكن الواقع أنّها احتلال غاشم ودموي، وكل المصادر بالمنهج هي مصادر إسلامية متطرفة.

الحال أننا ندافع عن هؤلاء المجرمين؛ لأننا نريد الدفاع عنهم، أو أننا نعتمد على مصادر متطرفة؛ بلا عقل ولا برهان، فقط لأنهم من ديننا أو مذهبنا، أي لأنهم من زوايانا. نفس هؤلاء المؤرخين يذمون بالمغول؛ لأنهم ضد من هم في زاويتنا، لكن لو ذهبنا لمؤرخين منغوليا؛ لمدحو لنا جنكيز خان، وأظهروة رجلًا عظيمًا. والحال أنهم يحتفلون الآن بعيد تأسيس إمبراطوريتهم، ويحيون ذكرى موت هولاكو. على الأغلب أصبح الآن القارئ الكريم يتفق معَ الذي يرتدي النظّارة.

أصدقائي القُرّاء، العمل عند العرب في ظل انعدام الإنسانية صعب الحصول كما ذكرت، واعتماد الناس على الأكاديمية لا يكفي. يجب عليك تأسيس طريق لنفسك وسلوكه بنفسك، الحياة صعبة، والواجب عليك أن تسهلها، وتسهيلها يتم من خلال العمل. نعم العمل صعب، لكن الذي يريد الحصاد عليه أن يلطخ يديه، أي على الناس أن تجتهد في الحياة. كل إنسان في داخله حرفة أو سلعة، أو ذكاء مفرط، جرّب كل شيء إلى أن يوقفك القدر، ويقول لك: استمر إنك مبدع في ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد