أصبح الناس يعيشون في المنازل تفاديًا للعدوى من فيروس كابوس حل بالبشرية. بدأ بالصين، واستقر بها لبضعة أشهر، ثم قرر العبور إلى أرجاء المعمور. إنه فيروس خطير وشرير ينتقل من شخص لآخر عن طريق اللمس أو الهواء. بعدما أصاب مدينة ووهان الصينية، وأعلن الحجر الصحي بها، وعزلت عن بقية المدن الصينية كان العالم يقف موقف المتفرج لا يعبأ بما يقع هناك وكأن الأمر لا يعنيه.

فانتشر الداء والوباء واجتاح أوروبا، واتخذ من إيطاليا وجهته المفضلة، ليلتهم الكثير من الأشخاص. بعدما تمكن من هذا البلد قرر القيام بجولة سياحية عبر أوروبا في وقت منعت كل الأنشطة السياحة، فأبى كورونا إلا أن يكون هو السائح الوحيد غير المرغوب فيه. فاجتاح إسبانيا، وفرنسا، وبريطانيا وبقية أغلب دول أوروبا.

سافر الداء بشكل ملفت إلى أمريكا ليجد ضالته في الولايات المتحدة الأمريكية، فانتشر فيها انتشار النار في الهشيم، فأصاب الملايين، وقتل أكثر من مائة ألف من النساء والرجال والولدان. لم يعبأ بقوة هذه الدولة العظمى، بل جعلها تحس إحساس غيرها من الدول بدون تمييز. إنه العدل الكوروني الذي لا يميز بين لون ولا عرق ولا وطن، فيعم كل إنسان ورد على الحسبان دون نسيان. وزاد فيروس العنصرية الطين بلة، فسادت المظاهرات والاحتجاجات التي أشعل فتيلها قتل شرطي لرجل أسود بطريقة بشعة لفظ فيها الضحية أنفاسه قائلًا لا أستطيع التنفس.

لم يتنفس الفيروس الصعداء حتى اكتسح واجتاح أمريكا اللاتينية، معلنًا البرازيل وجهته المفضلة؛ إذ حل بالملايين، وأخذ أرواح الكثيرين.

لم ينس الوباء شمال أفريقيا، بل حل بها رغمًا عنها ورغم تدابيرها الوقائية. حل بالمغرب معلنًا تحدي كل الإجراءات الاحترازية. حل ضيفًا غير مرحب به بالمغرب أول أسبوع من شهر مارس (آذار) الجاري. وبعد تزايد عدد الحالات المصابة بالوباء، قرر المغرب توقيف الدراسة بالمدارس، وتعويضها بالتدريس عن بعد. واستمر انتشار الوباء رغم هذا الإجراء. بعد ذلك، قرر البلد إغلاق جميع المقاهي والملاهي والحمامات والمساجد. ورغم ذلك واصل الوباء الاستقواء. فتقرر وضع المغرب في حالات الطوارئ الصحية لمدة شهر، إلى غاية 20 مارس. ومع مضي ذلك الشهر لم يتراجع الزائر غير المرغوب فيه، بل زاد في التقدم والتسكع فوجد البؤر الصناعية والعائلية مرتعًا خصبًا ليواصل زحفه، فمدد الشهر إلى الشهرين. مضت 60 يومًا من حالة الطواريء الصحية بين ملتزم ومستهتر، ولم تقف المدة عند ذلك الحد، بل أضيف ثلاثة أسابيع إضافية، لعلها الأخيرة بعد تزايد حالات الشفاء وتراجع حالات الوباء والوفاة.

تبدو المدن في زمن الكورونا مدن أشباح. يخلو الشارع من الحركة، ولزم الناس البيوت، وخرج من عنده ضرورة ملحة. إنها حياة جديدة غير مألوفة ولا معروفة، فرضتها ظروف محفوفة بالمخاطر والخسائر، لا تمس العمران، لكنها تمرض الأبدان، بل قد تفتك بها لتجعلها في خبر كان.

نستيقظ في الصباح على واقع غير متاح في مدن كانت تعمها الضوضاء والصياح. استشرى السكون والهدوء في كل مكان، وأصبح الزمان يطول ليس كما كان. أصبحنا نتنفس هواء نقيًّا من السماء، وندعو رب السماء أن يذهب عنا البلاء والوباء. نتناول وجبة الصباح مجتمعين بعدما كان كل واحد يتناول وجبة الفطور بمفرده.

بعد مضي سويعات، تأتي وجبة الغذاء ولا حديث في الشاشات الزرقاء والصفراء والخضراء إلا عن مستجدات الوباء، لا يخلو اجتماعنا من حديث مكثر عن هذا البلاء.

يبحث كل منا عن عمل يقوم به داخل البيت ليعمر الزمن الطويل، ويقصر المسافات ويسرح في السفر في المخيلات بعدما تعذر السير في الطرقات.

إنه نمط حياة جديد لم يخطر على بال، ولم يضرب له أحد حسبانًا، حكم على الجميع بالبقاء وراء الجدران إذا أرادو السلامة جميعًا من العدوان.

رب ضارة نافعة، فقد أتاح للأسر المحادثات، ومعرفة الهوايات والانشغالات، والاستفادة من عالم التقنيات الرقمية الذي كان مجرد وسيلة لضياع الساعات ومشاهدة الآفات والعثرات.

إنه فرصة ذهبية لتكوين الذات من خلال التسلح بسلاح العلم والمعرفة، ومحاربة الجهل والتخلف. إنه مناسبة لكشف الزلات وتحقيق المنجزات في كل المجالات رغم كل الظروف والآفات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحياة, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد