الاعتقال السياسيّ هو أن تعتقل السُلطة من لا يُرضونها، ببساطة هذا هو المفهوم. لعل هذا المقال لن يُثري من معلومات أحد عن الاعتقال السياسي باعتباره مفهومًا، لكن لنعتبره نوعًا من الثرثرة من قِبَلِ شخص جاهل تمامًا بالسياسة وما يخصها. بعض الثرثرة رُبما من منظورٍ نفسيّ أكثر من كونها حديثًا عن الاعتقال السياسي مفهومًا، سأتحدث عن الواقعين في شباكه التي لم ترحم أحدًا لأعوامٍ طويلة في بلدان العالم أجمع.

شئنا أم لم نشأ انتشرت الاعتقالات السياسية مؤخرًا في دولٍ عربية -لن أذكرها- يعلمها الجميع، غالبًا ما يقع شباب وأطفال –تحت السن- في أيدي السُلطة إما العلماء والكُهول والشيوخ. لا علم لي حقيقةً عن ما يُميز هؤلاء بالذات عن باقي المجتمع حتى يُستهدفوا بهذا النوع من الاعتقالات. على أي حال أخص بحديثي الشباب بالذات.

بطبيعة الحال يملك الشباب القوة الأكبر، لكن مع سوء التوجيه يُصابون بالهشاشة مما يجعل الإمساك بهم أسهل. لعل كون تلك الشريحة هي الأكبر من حيث العدد بين شرائح مجتمعنا هو ما يجعلهم الطبقة الأكثر إغراءً للحكومات، بحيث يستطيعون تضيّق الخناق على الجميع من خلالهم فيملكون زمام البلاد دون الانشغال بضوضاء المعترضين. تقريبًا لن يكون هناك معترضون، إما أنهم خائفون أو جاهلون!

حتى لا أحيد كثيرًا عن هدف المقال الأساسيّ سأدخل مباشرةً إلى صلب الموضوع. أي الجانب النفسيّ للشباب المعتقل من منظورٍ مختلف قليلًا عن ما نتخيله باعتباره نوعًا من أنواع التعذيب. سأطرح بعض التساؤلات التي تبدو منطقية جدًا ولرُبما خطرت على بال أهالي المعتقلين السياسيين وأصدقائهم يومًا.

بدايةً أطرح أحد أهم النقاط حول الأمر التي لن أطلق عليها متاجرة بالاعتقال أو بحيوات الشباب لكنني سأسأل عن معناها، ما معنى أن السجن إصلاحٌ وتهذيب؟ من قال إنه كذلك؟ لعله كذلك لبعض الوقت لكنه مُرهق على الرغم من هذا ويُثير الصدمة لأصحابه عندما يعودون للحياة مرة أخرى. الاعتقال أشبه بشربك للماء المُثلج ثم الماء الساخن مباشرةً، شيءٌ صادم يدعو إلى الاكتئاب أكثر من كونه إصلاحًا وتهذيبًا!

كون هذه الاعتقالات لا تندرج تحت أي نوع من أنواع القانون، فإن الأحكام الصادرة بحق الشباب المعتقل لا تكون عامًا أو اثنين، بل تبدأ من خمس سنوات إلى 15 سنة ورُبما المؤبد، فكيف قد يتخيل شاب في أول العشرين حياته الواقفة تمامًا بعد خمس سنوات أو أكثر؟ يدخل إلى السجن شابًا صغيرًا فيخرج رجلًا أو حتى كهلًا، مطالبٌ بأن يبدأ الحياة من جديد! ماذا عن الدراسة؟ أيعقل أن يعود إلى جامعته مرة أخرى؟

ولأن السُلطة تسمح بهذا النوع من الاعتقالات، ستشعر حتمًا أنك داخل سوق الخضر فكما تجد الزبائن يُفاصلون البائع في تخفيض سعر كيلو الطماطم من خمسة جنيهات ونصف إلى خمسة جنيهات، ستجد المحامين يحاربون القضاه في تخفيض مدة الحكم من خمسة أعوام إلى أربعة فقط! يتعامل القضاه مع أعوام الشباب وكأنها بعض كيلوهات من الطماطم بالظبط، كأنهم يوزعون الأعوام من خزانتهم الخاصة. كيف تتخيل أن يشعر شابٌ في موقفٍ كهذا؟

لنقرر أن نتخيل عبثًا أن المعتقلين لا يشعرون بالغربة إذ إنهم كَوَّنوا بعض الصداقات بالداخل لكن أيشعرون بالدفء ذاته مع أهلهم عندما يخرجون؟ كيف يتعاملون مع من تركوهم أطفالًا ثم خرجوا ليجدوهم شبابًا مثلهم؟ كيف ينظرون لكل الذين تقدموا في شيءٍ ما ولو كان تافهًا بينما لم يفعلوا هم شيئًا؟ الجميع أنجزوا فقط أنهم تقدموا في العمر وانتقلوا من مرحلةٍ دراسية إلى أخرى بعيدة جدًا.

لا شك في أن بعض المعتقلين يستطيعون الاستمرار في دراستهم داخل المعتقل، لكن هذا الأمر لا يسير مع الجميع، فهؤلاء المتوقفون عن الدراسة تقف حيواتهم فعلًا. فليكتبوا مذكراتهم، ثم ماذا بعد؟ فليقرأوا الروايات إن سُمح بدخولها أصلًا، ثم ماذا بعد؟ يحفظون القرآن ويتعلمون كل شيء عن أي شيء ويظل السؤال موجودًا، ماذا بعد؟ لا شيء بعد هذا! توقفت عقارب الساعة عند لحظة دخولهم تلك الزنزانة المغلقة، توقفت تمامًا بلا حراك وكأن الأرض تدور حول نفسها، يقفون في نقطة اللاشيء فلا يحدث أي تقدم.

كيف سيتعامل أهل ذلك الشاب معه بعد هذه المدة؟ سيحتاجون رؤية ابنهم المتحمس لكل شيء أو الذي يحب شيئًا ما لكنه لن يكون كما اعتادوه، شخص آخر يحمل ذات الوجه لكن أكبر بقليل. كيف يشعر ذلك الابن تجاه أهله وقد ضل طريقه في العودة لهم؟ كيف يشعر تجاه نفسه التي تأبى العودة؟

كل ما يخص الاعتقال بحد ذاته تعذيب، فحتمًا لا يمكن القول إنه إصلاح وتهذيب أو إنه نجاة للبلاد من قوم الشر مثلاً! مهما حاولت فإن التساؤلات لن تنتهي أبدًا، ولعل تساؤلاتي المطروحة ليست شيئًا مقارنةً بالحقيقة لكنها حتمًا خطرت ببال أحدهم من قبل. رُبما لا يأخذنا هذا المقال إلى أي مكان لكنه ليس إلا ثرثرة كما ذكرت في البداية، لا تعني شيئًا إلا أنها أبت إلا أن تخرج بطريقةٍ ما ولا أعلم إن كانت هذه هي الطريقة المُثلى لخروجها حقًا ولا أعلم إن استطعت الوصول إلى جزءٍ من الحقيقة بكلماتي، لكنني والله يعلم حاولت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد