دائمًا ما يكون هناك موضوع شائك يثير الرأي العام أو يثير حديث مواقع التواصل الاجتماعيّ على وجه الخصوص، وللحق لم يُثر انتباهي أبدًا أي من هذه الموضوعات، أبدًا، إلا أن هناك موضوعًا يلفت ناظري وهو نوعٌ من التوجه العام للشباب وخاصةً المنتمون منهم للحقبة التسعينية –التي أنتمي بشخصي لها-، شاع بينهم موضة «من هو الأكثر كآبةً؟» ولنكون منصفين نعم لقد بدت هذه الظاهرة وكأنها موضة يتبعها أصحاب هذه الحقبة الزمنية، لكنها في الأصل أبعد ما يكون عن هذا التصنيف الذي يبدو مائلًا للغباء!

ولنتفق من البداية أن هذا المكتئب الذي يوشك على الانتحار ليس بالضرورةِ فقيرًا أو مريضًا ولا حتى كافرًا، لكنه قد يكون أحد أصدقائك من أصحاب الحيوات المتوسطة ولا يُستبعد أن يكون من ذوات الحيوات الراقية متعلمٌ وحتى اجتماعيّ إلى حدٍ لا يُوصف، ببساطة قد يكون أو تكون من الذين شعروا أنهم أصبحوا أسرى الوحدة فجأة دون أن يفهموا سببًا،
الانتحار يأتي دائمًا في نهاية المطاف على هيئة الملجأ الوحيد من توحشِ هذا العالم بكل أمراضه النفسية وأولها الاكتئاب! إنها النهاية التي لا يعلمها المُقدِم عليها، أتخيلت زينب أن تكون في عدادِ المنتحرين؟ أو أن شريف خطط يومًا أن يكون هو الآخر منتحرًا؟ بالكاد كانت حيواتهم سليمة حتى تخللها فساد البيئة المحيطة إلى جانب إدراك الكثير من الذي يبدو أنه لم يكن يجب على أحد إدراكه.

إنها لحظات الشعور بأنك مظلومٌ وحيدٌ هجرك الجميع لكلامِ الناس أو لأنهم رأوا فيك ما ليس فيك، غباءً منهم لا منك، لحظات انهزام قاتلة، أنت أبأس مما يجب وأكأب ما يكون، هى اللحظة التي يمكن لأي إنسيّ بنفسه الضعيفة التي لا تفقه شيئًا في الحكمة الإلهية أن يصل لها.

لم يعد غريبًا أن تتصفح صفحات أحد الشباب لتجدها مملوءةً بالثرثرة غير العادية عن البؤس واليأس وكل مشتقٍ لهذه الكلمات أو كل ما يقرب هذه الكلمات في المعنى من قريبٍ أو بعيد وليس غريبًا أن تجد إحدى الحسابات التي تسخر من الكون كله إلى حدٍ هزليّ يُضفي الكآبة على حياتك بمجرد النظر إليه، لكن الغريب حقًا هو كيف يتفاعل عوام الناس مع هذا النوع من الموجات وكيف ينظر لها أقرباء الذين يكتبونها.

إن كان إلصاق التهمة بالجهل مُرضيًا فلنقل أن الأمر يعود فعلًا للجهل المنتشر في بلادنا، بلاد العالم الثالث، إن الكثير من الناس لا يفقه شيئًا عن تأثير الكلمات على النفس وكثيرًا ما يكون الجاهلون بهذا التأثير قريبون جدًا، قريبون إلى الحد الذي يجعل من كلماتهم مُحركًا لحيواتِنا فإن كانت إيجابًا تطبعت الحياة بالإيجابية وإن كانت سلبًا تحولت الحياة من تلقاءِ نفسها إلى الجحيم بذاته.

هى طبيعةٌ في النفس البشرية أن نتأثر بالبيئة المحيطة بنا عامةً وبمن يحيطون بنا خاصة، فإن تأملنا قليلًا سنجد أن كل إنسان تحيطه نفسه بالكآبة ما هو إلا إنسان محاط ببيئة فاسدة حطمت كل ما هو جميل بداخله ظلمًا، إما بالكلمات المؤذية ممن لا ينتمون لهذه البيئة اصلًا أو ممن ينتمون لها بشدة وإما يكون الروتين والملل هما أساس هذه البيئة، هى بكل حالٍ من الأحوال بيئة فاسدة تظلم أصحابها أسوَأ ظلم.

الاكتئاب هو أكثر ما يجهله المحيطون بنا بل الأكثر كارثية هو أن لا أحد يهتم حقًا بتغيُّر حالك وأنك غدوت وحيدًا وبعيدًا عن الجميع، في الواقع لا أحد يحب تحميل نفسه عبء غيره، لكن الجميع يتسامح مع نفسه جدًا مُخرجًا حجة بلهاء متمثلةً في «ده اتغير أوي»، «ده بِعد عن الكل»، «أناني، مغرور…» وغيرها الكثير من الحجج الواهية التي لا تَفلح إلا بظلم الأخرين ظلمًا بيّنًا.

لن أقول أن الذي عايش الاكتئاب أو تردد على باله الانتحار مرارًا ثم قرر أو لم يُقرر أن يقابله هو ضحية المجتمع، هو ليس كذلك، بل هو ضحيةً لنفسه التي لا تملك من أمرها شيىئًا ومن بعدها ضحيةً لنفوس البشر التي لا ترحم وكأنهم ألهة أو ملائكةً مُنزلة. أي إنسان قد يصل إلى لحظة اليأس التي تدفعه إلى شيء من الجنون حتى ينتحر.

إن لم تكن مؤثرًا في حياة أحدهم بالإيجاب، كل الإيجاب فلا تكن على الأقل سببًا لهدمه أو إيصاله إلى حدِ الانتحار بشيء بسيطٍ من الكَلِمِ، دعونا لا نظلم أنفسنا أو من حولنا، أهم ما يكون هو وجود تلك الصحبة التي ستتفهم دومًا تغيراتك الغريبة ولن تتركك لهواجس نفسك أبدًا، كن أنت بذاتك من ينقذ الأشخاص من خطرٍ داهم يقترب منهم ولا تترك نفسك لتكون ضحيةً في هذه اللعبة النفسية المُضنية.

خلاصة الأمر، داخل كلٍ منا شخصٌ مكتئب محبٌ للعُزلة ويبدو مغرورًا وهذا يعني أن أيًا منا قد يكون يومًا وحيدًا لأنه صُنفَ أسفل هذه التصنيفات السطحية التي لا تحمل أساسًا من الصحة إلا أنها تقترب منا أحيانًا لكنها لا تكوننا أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد