لست هنا بصدد الحديث عن المملكة وتاريخها الكبير من دعم الرجعيات والانقضاض على الثورات والحركات التحررية بداية من الخمسينيات مرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية ونهاية بحرب اليمن الحالية، ولا بصدد الحديث عن الإرهاب الذي تمارسه المملكة ضد كل من يقف في وجه مشروعها الرجعي القروسطي، ولا نسختها من الإسلام التي ما دونها فهو كافر خارج عن الإجماع، ولا عن دورها في تكوين الحركات الإرهابية التي قتلت الأبرياء في ربوع الأرض، لكنني هنا أريد أن أبحث عن المملكة في الوعي الجمعي للمصريين. المملكة التي لا يمكن إغفال دورها في ما نحن فيه الآن على المستويات المختلفة، ولست أقصد الرطانة الاصطلاحية مثل الغزو الوهابي وغير ذلك، لكن فقط البحث في الوعي الجمعي للمجتمع المصري المعاصر وتطور نظرته للمملكة. بداية فالأحداث الأخيرة طرحت الأمر موضع التساؤل وبجدية أكبر، ماذا عن موقع السعودية من المجتمع المصري؟!

بيع الجزيرتين المصريتين «تيران وصنافير»، وحتى الحدث الأخير عندما رفع أحد أفراد البعثة المصرية في الأولمبياد العلم السعودي، كان يبدو على الرجل الفرح فعلًا بأنه يرفع علمًا للسعودية، ولست شخصيًا من أنصار نظرية «تحت العلم أبطال»، لكن يبقى المشهد أيضًا يدعو للغثيان من هذا «التملق» للمملكة السعودية. هذا التملق يبدو ظاهريًا غير مبرر لكنه يرتكز في مستواه الأعمق على أسباب عدة تدفع حمادة طلعت لأن يرفع علم السعودية كما دفعت قبلة سيدة أربعينية أن ترفعه في قلب ميدان التحرير.

يمكن أن نُرجِع بداية تكوين فكرة يمكن الانطلاق منها نحو فهم طبيعة النظرة المجتمعية للمصريين تجاه المملكة لفترات بداية الستينيات التي بدأت معها المملكة في الوقوف ضد عبد الناصر في حرب اليمن، وهو ما استدعى الزعيم التقدمي – كما يصفه أنصاره – من إطلاق جميع تهم الرجعية والتخلف والعمالة والخيانة على المملكة، حتى إنه في تلك السنة منعت السعودية سفينة مصرية تحمل الحجاج من الدخول للأراضي السعودية تحت زعم أنها تحتوي على سلاح وبقيت في الميناء ثلاثة أيام، حتى تمت ضغوط من ملك الأردن للسماح للسفينة بالدخول، استمر الحال على هذا؛ توتر على المستوى السياسي من البلدين، نخبة سياسية وثقافية تصف السعودية بمنبع الرجعية في الوطن العربي، وعلى المستوى الشعبوي لم يكن الأمر ذا أهمية كبيرة فالسعودية ما زالت في نظر أغلبية الشعب المصري هي الحجاز؛ المكان الذي يحتوي على الأماكن المقدسة للمسلمين في مكة والمدينة.

مع انتصاف السبعينيات كانت المملكة هي المستورد الأكبر للعمالة المصرية، كان تأثير العائدين من المملكة في العقود الخمسة الأولى قليلًا جدًا لصغر عدد العائدين من جهة، وطبيعة هؤلاء الجندرية والاجتماعية من جهة أخرى؛ حيث معظمهم سافروا بخلفيات ثقافية مصرية تنتمي في معظمها للطبقة الوسطى التي شكلتها الدولة الناصرية فكانوا كما يقول علماء الاجتماع مرتكزين على أرضية أيديولوجية صلبة، فيما تلا وفي بدايات الثمانينيات انطلقت فئات أخرى نحو المملكة ليس بحثًا عن العيش الكريم كما كان الجيل الأول، لكن بحثًا فقط عن لقمة العيش، كانت الأغلبية من القرى والنجوع وغياب التعليم هو المشترك بينهم، ذلك لا يمنع أن الطبقة الوسطى أيضًا صدرت للسعودية أفرادًا للعمل، لكن ما يعنيني في تلك الفترة هو التأثير الشعبوي للعائدين من الطبقات الاجتماعية الدنيا، والتي ذهبت لتعود لتحيا حياة على الطريقة السعودية، بحكم نقص التعليم أو غيابه، وعدم الارتكاز على ما سبق أن سميناه بالأيديولوجيا الصلبة للطبقة الوسطى، كان عودة هؤلاء هي بالكامل على الطراز السعودي الذي أبهر الكثير منهم بداية من مظاهر الملبس (فأنا أتذكر أن الجلابية البيضاء) يوم الجمعة كانت تقليدًا لأي فرد ذهب للسعودية وعاد، والعباءات كذلك للنساء، حتى أني أعرف أسرًا كانت تتفنن في صنع «الكبسة» بل ويأكلونها على الطريقة السعودية باليد بدون ملاعق، بالطبع لا تبدو الأمثلة السابقة غريبة عليكم. هؤلاء العائدون كونوا احتكاكًا على المستويات التحتية للمجتمع مع غيرهم ونظرائهم من المصريين الذين لم يذهبوا للسعودية جعلت الحياة على الطريقة السعودية أمرًا سهلًا، فالوعي الغائب يمكن أن يزرع فيه أي مهلبية!

استمرت تلك الأشياء في التراكم حتى نهايات الثمانينيات وبداية التسعينيات حينما بدأت موضة الدعاة على التلفزيون في الظهور، وكان نجم تلك الفترة بامتياز هو الشعراوي (الرجل) الذي عمل بالسعودية، ودرس بها أيضًا بجانب دراسته في الأزهر كما يقول، الشعراوي جاء علينا بما يمكن أن نسميه الخليط المركز بين الأشعرية والوهابية بنسختها الأحدث في تلك الفترة في السعودية، وهنا جملة اعتراضية أريد أن أضيفها: أتذكر للشعراوي حديثًا كبيرًا وهجومًا حادًا دار حول صحة الحديث المنسوب للرسول في أنه إذا سقطت ذبابة في لبن أحدكم فليغمسها بكاملها لأن جناحًا لها فيه الترياق للضرر في الجناح الآخر، ولست هنا أريد أن أبرهن على خطأ أو صحة الحديث الذي يتبين لأي صاحب ذوق حضاري أو منطق بسيط أن هذا شيء يدعو للغثيان، لكن دفاع الشيوخ عن نصوص من السنة ذلك الدفاع المستميت هو ضرب من الوهابية بامتياز.

دعنا من ذباب الشعراوي ولنركز على تأثير هذا الذباب على المجتمع، فالرجل المسموع على مستويات كبرى والذي وصل متابعوه في التلفزيون الرسمي قبل وبعد وفاته للملايين، وشكل الوعي الديني لأغلبية الشعب المصري على اختلاف طبقاته في العقود الأخيرة، الرجل رسخ لفكرة تقديس السعودية وبالطبع ليس صراحة، لكن يمكن أن نضيف لذلك بعض نصوص الصراحة على غرار أن الرسول دعا لأهل السعودية بالبركة، حتى إني أتذكر أن أحدهم قال لي مرة إن السبب في الثروة البترولية للسعودية هو دعوة الرسول (ص)، توالت وتراكمت تلك الأفكار الطفولية عن المملكة عبر عقد التسعينيات، والذي شهد في منتصفه ظهور الفضائيات السعودية التي غزت مع مطلع الألفية الثانية معظم البيوت المصرية، وجرى الاستبدال التام لنسخة التدين الشعبوي للمصريين بالنسخة السعودية للدين، فلا مانع من أن يستبدل قراء الجرائد القرآنية السعوديون أمثال مشاري راشد والعفاسي وغيرهم قراء مصريين مثل عبد الباسط والطبلاوي، وأن يستبدل نجوم الدعوة بعد موت الشعراوي بالسديس والعريفي، وغيرهم من نجوم الشرائط التي كان يعود المصريون بها من المملكة لأنها توزع مجانًا هناك، والمصري يحب كل ما هو مجاني. كل ما سبق وغيره بالتأكيد ساهم في تكوين صورة مثالية عن السعودية في عيون مصريين كثر. لكن لا تبدو تلك النظرة المثالية خالية من بعض الاستثناءات وهناك مستويان لهذه الاستثناءات؛ أحدهما نخبوي من جهة النخبة الثقافية أو محصلي الثقافة والذين يحتقرون المملكة إدراكًا منهم لأنها رأس حربة الرجعية في المنطقة، أو على المستوى الشعبوي والمرتبط بالاضطهاد الذي يتعرض له المصريون من خلفيات فقيرة أثناء العمل في المملكة. لكن تظل تلك الاستثناءات وإن كثرت عددًا إلا أنها لا تفرض خطابها في ظل الطبيعية الغرائزية للطبقة الوسطى والدنيا في مصر للتوجه نحو الدين، وهو ما يستدعي إضفاء شيء من القداسة على المملكة.

وذلك لا يمنع أيضًا اهتزاز الموقف الشعبي في لحظات من الشك تجاه المملكة وسياساتها، ولعل أبرز تلك الشكوك كان عندما هوجمت المملكة على قطاع شعبوي واسع بسبب دعمها لمبارك في أثناء الثورة، لكن تلك الاهتزازات لا تلبث أن تسكن تحت وطأة المهدئات الإعلامية على غرار أن مصر هي الشقيقة الصغرى للمملكة، وأن الملك سلمان يحب مصر وكل تلك الترهات، فيما تلا 30 يونيو وتدهور الوضع الاقتصادي ووقوف المملكة صريحة مع الخطاب السياسي الإقصائي للإخوان، وتقديمها للمنح والمساعدات الاقتصادية لمصر علت أسهم المملكة كثيرًا في مصر، وحتى تيران وصنافير في اعتقادي لم تكن ذا تأثير قاعدي كبير على تلك النظرة المثالية للمملكة، لذلك أنا لا أتعجب عندما يرفع حمادة طلعت علم السعودية في الأولمبياد بدلًا من العلم المصري، فكلنا سبق وأن رفعنا العلم السعودي والجلابية السعودية والكبسة السعودية والداعية السعودي وكل ما يمثل الحياة على الطراز السعودي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعودية
عرض التعليقات
تحميل المزيد