وعلى نفس نهج العظيم (محمد المنسي قنديل) في إحدى روائعه (شخصيات حية من الأغاني) أحب أن أعيش بين شخصيات المرايا التي رسمها نجيب محفوظ فأحسن الرسم، والتي أعتقد أنها حقيقية وقد غير الأستاذ الأسماء وبعض الأحداث خشية أن يغضب أحد، وحتى وإن كانت من نسج خيال المؤلف العبقري، فإنها شخصيات تحمل ذلك النمط الإنساني الواقعي الذي يستمسك بمبادئه ومثله العليا، وفي أحيان أخرى يضعف أمام نزواته، إنها شخصيات تنبض بمرارة الحاضر، تسعى لاسترجاع أمجاد الماضي، وتخاف من المستقبل المجهول.

إبراهيم عقل

هو مثال للمثقف الضعيف الذي يخشى الدخول في صدامات، يرى الحقيقة فينكرها خشية أن تؤذيه، يصدح فؤاده بصوت الحق فيكتمه، قلبه عامر بالمثل العليا، وأفعاله تشي بالهزيمة والانهيار، وكم ذا بمصر من مثقفين ولكنهم مثقفين على شاكلة إبراهيم عقل.

هو أستاذ جامعي، كان من الممكن أن يكون قائد ثورة فكرية في حياتنا الثقافية، لكنه أجهضها بعدما أدرك أنه لم يخلق ليكون ثائرا، فجرفه تيار السائد مع من جرف.

وفي الوقت الذي كان الشعب فيه ساخطا على الملك وحكومته، انضم إبراهيم عقل إلى صفوف الملك بكتابته لمقالة يدعو فيها للولاء لصاحب العرش وينوه بأيادي أسرته على نهضة البلاد، وفي رأيي إنه ما أقدم على فعلة كهذه طمعا في منصب أو محافظا على منصبه (و قد كان وقتها يشغل منصبا جامعيا كبيرا) وإنما فعلها لتكون درعا يحميه من بطش السلطة، إن مثله مثل الكثيرين الذين يفضلون المشي جانب الحائط ويبتعدون عن الصراعات قدر الإمكان.

هو العاجز عن قول الحق، فيخفي عجزه بالثبات والشجاعة على الباطل، ويحاول إثبات (لنفسه أولا) أن موقفه صحيح، وإنه ما ضحى بمثله العليا وبمبادئه، لذلك كان يراه الطلبة مهرجا أو دجالا يضمرون له الاستهانة والسخرية، وليس شريرا أو سفاكا للدماء يضمرون له البغضاء والرغبة في القتل.

و في إحدى محاولاته لإقناع نفسه ومن حوله إنه ما ارتكب جرما وأن مبادئه لم تتحطم على صخرة المصلحة قام بجمع طلابه في آخر يوم دراسي وحاول تبرير موقفه قائلا:

«المسألة إنني وجدت أناسا يخطبون وأناسا يعملون، فاخترت الإنضمام إلى العاملين، وكلنا في النهاية مصريون».

فجاءه صوت أحد الطلبة وكأنه منبعث من أعماقه هو:

إن من يخطب مطالبا بالاستقلال والدستور خير ممن يبني ويسفك الدماء.

وقد جاءت نهايته بشكل مأساوي، خسر فيها كل شيء حتى نفسه.

بلال عبده بسيوني

هو شاب يوجد مثله الكثير تلك الأيام، ولكن وقتها كانت فكرة الهجرة فكرة غريبة على المجتمع أثارت في الجيل القديم العجب.

إنه الصراع بين الأجيال، جيل قديم يرى الجيل الجديد أنه انهزامي ومستسلم، يود الهجرة إلى الحضارة بدلا من أن يصنعها على أرضه، وجيل جديد يرى أنه لا أمل في بلاد لا تقدر العلم ولا صانعيه.

ما فائدة أن يكدح الإنسان طالما في النهاية لن يحصل على التقدير المناسب له؟! حتى إذا وصل إلى مرتبة عليا في إنكار الذات كيف له أن ينتج دون أن تتوافر لديه الأدوات اللازمة لذلك؟! إننا نطلب منه المستحيل في حين أنه لم يطلب مننا إلا حقه، إننا نطالبه بأن يضحي بأحلامه ويدفن شبابه في تربة غير صالحة للإبداع، ولم يطلب هو إلا مناخا مناسبا لكي يعمل، العمل الذي في النهاية سيعود بالخير على البلاد.

لا ينبغي لوم الجيل الجديد على يأسه، وإنما يقع اللوم على من زرعوا هذا اليأس في نفوسه.

سرور عبد الباقي

هو رجل كأغلب المصريين لا يهتم بالشأن السياسي ولا بأي شيئا آخر سوى عمله، وتمر به الأحداث وهو منها بمأمن لا تعنيه في شيء، حتى قامت ثورة يوليو فشدته من مأمنه لأول مرة، فسلبت من زوجته خمسمائة فدان، وحرمته هو من أن يعين عميدا للكلية رغم استحقاقه للمنصب لاعتباره من الأعداء.

(فأدرك أنه مهما يكن من علم الإنسان أو أخلاقه فلا غنى له عن الوعي الثقافي المتضمن طبعا الوعي السياسي، وأنه مهما يكن من تفوقه وبراعته وفائدته فلن يعتصر من ذاته إمكاناتها الإنسانية حتى ينظر إلى نفسه لا باعتباره جوهرا فردا مستقلا ولكن باعتباره خلية لا تتحقق لها الحياة إلا بوجودها التعاوني في جسد البشرية الحي).

عشماوي جلال

لطالما تساءلت عن السبب الذي يدفع بعض رجال قوات الأمن إلى التعامل بقوة وعنف سواء مع المتظاهرين أو المقبوض عليهم، هل الأمر يتوقف فقط على إطاعة الاوامر؟! ولكن طاعة الأوامر لا تعني بالضرورة التفاني في تنفيذها، ولقد أثبتت الحوادث أن الأمر لا يتوقف فقط على إطاعة الأوامر وأن له بعد آخر، ولقد جاءت شخصية عشماوي جلال لتجيب على سؤالي إجابة ترضيني أنا على الأقل.

هو قاتل الطلبة وعدو ثورة 1919 الأول، فقد كان يقتل بلا رحمة، ويعذب ضحاياه بطرق وحشية، حتى بغضه المصريون حتى الموت.

لما قامت ثورة 1919 طلب من الجيش المصري مساعدة جيش الاحتلال في قمع الثورة والقضاء على الثوار، لكنه تعاطف مع الثورة وأيد زعيمها، ولكن شذ عن ذلك عشماوي جلال الذي كان وقتها ضابطا كبيرا بلواء الفرسان في الجيش المصري، فهاجم الثوار بعنف فاق به الإنجليز أنفسهم.

كان عشماوي جلال يعجب بالإنجليز إعجابا فاق كل الحدود، ويحبهم حبا عظيما حتى آمن بأن الإنجليز هم سادة البشر وأنهم المبعوثون من العناية الإلهية لتمدين البشر وخاصة المتأخرين منهم كالمصريين.

إنه الإيمان إذا، الايمان الذي يجعله يرتكب الفظائع دون أن يهتز له جفن أو يأنبه ضمير، فهو رجل صاحب مبدأ، فيعتقد أنه إذا ما ترك البلد للثوار فإنهم سيخربونها، وإنه لا خير للوطن إلا في قيادته الحالية.

اللهم لا تجعلني ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد