هل لاحظت الأفلام والمسلسلات بكل أنواعها وتصنيفاتها سواءً كانت دراما أو كوميديا أو غيرها فهي تستخدم نفس السيناريو في كل مرة؟ حتى أفلام الرسوم المتحركة وبرامج الأطفال تعتمد نفس السيناريو، ولا تكتمل قصة أي فيلم أو مسلسل إلا من خلال سيناريو واحد متكرر وإلا فإنه سيكون بلا معنى أو فائدة.

لنتعرف على هذا السيناريو

لابد أن يوجد في أي عمل فني صراع ما بين الخير والشر، وكلما ازداد الصراع كلما ازدادت شدة الارتباط بهذا العمل الفني أكثر، حتى الكوميديا تجدها تعتمد على هذا السيناريو وهو صراع الخير مع الشر، ولكن ما يختلف هو من سيمثل الخير ومن سيمثل الشر، وهذا السيناريو قد كان واضحًا في آيات القرآن الكريم، فهي توضح أن الخير والشر وجدا مع الإنسان ليتصارعا على الأرض، يتحكم بأحدهما العقل والآخر يتحكم به الهوى، وليس الأمر محدداً بالصراع بين الإنسان وباقي الموجودات بل هو أحيانًا يكون صراعٌ بين الإنسان ونفسه، حيث يكون هو نفسه طرفي الخير والشر في آنٍ واحد.

إذا ضعف الحق وانهزم الخير في نفس الإنسان فإنه سيبرر لأفعاله الشريرة ويجعل منها أفعالاً جيدة، وهو ما نلاحظه في بعض الأفلام والقصص العالمية مثل روبن هود السارق الشريف، والذي يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء، وبغض النظر عن أبعاد الفكرة إلا أنها تصور جانب الخير في روبن هود وجانب الشر في الملك وأعوانه، فالسينما استطاعت أن تقلب الصورة في جلب استعطاف الجمهور وتغيير مسار الحقيقة لتظهر مثلاً أن أخيل هو جانب الخير وأن قتله لهيكتور كان لإسكات صوت الشر.

كيف ضاع الخير في نفوس المشاهدين؟

في خضم الصراع الدامي في سيناريو الحياة وما يمر به الإنسان من ضغوطات مستمرة ومشاهد بشعة لمناظر الحروب والأمراض، وبعد أن يحاول أن يهرب إلى واقع افتراضي آخر بمتابعة فيلم أو مسلسل، فإنه سيركز على ما يراد منه التركيز عليه، وأن يتعاطف مع الخير الذي يتم تحديده له، فتجده يتأثر بأبطال فيلم الحركة فاست آند فيورياس وهم بطبيعة القصة مجموعة من السراق، إلا أنهم وبشكل من الأشكال يتحولون إلى أبطال ورموز للخير، ما يزيد الاستغراب في الفيلم أن أحد أجزائه يضم مشهدًا لدبابة تجوب الشارع بسرعة، وهي تدوس على السيارات وتحطمها، ورغم انشداد الجمهور للفلم ومتابعته بحماس إلا أنه لم يسأل أي واحد منهم مخرج الفيلم عن عدد القتلى الافتراضيين في هذا المشهد، وكم طفلًا وامرأة ماتوا داخل تلك السيارات، وبالطبع ليست الإجابة أنهم لم يسألوا لعلمهم بأنه فيلم، بل هو واقع الحال في سيناريو الحياة، فالناس تركز على خطابات الرؤساء وطلعات الطائرات وكم هدفًا قامت بتدميره، ويغضون البصر ويبعدون فكرة السؤال عن كم من مدني وطفل مات أثناء الهجوم، لأنهم ببساطة ينظرون إلى أحد هذين الجانبين من القصة بأنه مثال الخير، وكل ما يفعله من شر هو ثانوي ومبرر.

صنّاعُ السيناريو

السيناريو ثابت ولكن هناك من يغير به ويصنعه من جديد متلاعبًا بعواطف الناس، وهذا ما يحاولون تسويقه إليهم بكل الطرق المتاحة، فالإعلام وحرب الأخبار أصبح هو المدمر الأول لطبيعة الإنسان بتقبل الخير ورفض الشر، وأحد هذه الصنائع الإعلامية التي حرفت النفوس عن مساراتها السوية هي بث مشاهد القتل والإعدامات للعناصر الإرهابية ليتابعها مع الكبار الأطفال والقاصرون، مع أنها تحتوي على مشاهد لقطع الرؤوس والأعضاء والحرق والتمثيل بالجثث، إلا أنها كانت تبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأريحية تامة ودون قيود، والأكثر غرابة أن هناك من فرح بها ونشرها لإفضاء بعض السعادة والسرور على قلوب الآخرين ممن يظنون بأنهم مع الخير ضد الشر.

علينا أن نعيد النظر بما نشاهده من أفلام ومسلسلات وما نطلع عليه من أخبار عبر المحطات المتلفزة أو الإذاعات أو مواقع التواصل الاجتماعي، علينا أن نحذر من الوقوع في مصيدة تغيير أطراف سيناريو الحياة في نفوسنا ونحن لا نعلم، فنصيّر الخير شرًا والشر خيرًا أو تلتبس علينا الأمور فنحوّل الصراع من الخارج إلى الداخل ونبدأ بالانهيار، في محاولة التذمر أو العصيان أو الشذوذ أو الانتحار.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد