من يعرف كيف يكون محبوبًا بين الناس؟ تعرفونها؟ أليس كذلك؟ هي أغنية سبايستون، آخٍ! بالله عليكم من يمكن أن يضعها كرنة منبه! بدوري أتساءل حول هذا كل صباح. أعتذر! لم أعرف بنفسي، معكم – سادتي الكرام – أحمر شفاه! أيْ نعم، ولست كأي أحمر شفاه آخر؛ فانا كما علِمتم أستطيع الكلام، ثم اعذروني؛ فأنا كثير الثرثرة، فضولي حتى النُّخاع؛ سأكون دليلكم  في يوم تقضونه ليس معي،  وإنما برفقة صاحبتي، وأعدكم وعد الصدق، إن الأمر لن يخلو من مفاجآت!  وها نحن نبدأ، لتوي استيقظت على أنغام تلك الأغنية: العنوان، التي تبدأ بسؤال تعجيزي يبعث فيك كل الحنين نحو سريرك الدافئ؛ فتَفْزع مِن مُسْتَهَلِّ يومك إليه.

الشمس بالتأكيد لم تخطئ غرفتها، تسللت توقظ صاحبتنا في إلحاح،  تنهيدة أسى، فرقعة أصابع، وها هي ذي تقوم من فراشها تجر الخمول مشفقًا من حالها، تصفيقاتكم؛ نشجعها قليلًا! نعم هكذا، مع بضع كلمات تحفيزية،تلك التي تدرونها جميعًا، رنانة فارغة الأثر. ممتاز!

تأخذ هاتفها من فوق المنضدة، لا رسائل إلا واحدة: صورة بها عصفور يغرد: صباح النشاط والهِمَّة، أرسلت من طرف أمها بعد أن جالت بكل هواتف من تعرفهم هذه الأخيرة، لا شيء لها هي على الخصوص. أزاحت ستائر غرفتها، تساءلت، أعلم أنها تتساءل؛ لأنها كلما فعلت يرتسم طيف ابتسامة كتلك التي  يرسمها المسرحي عند نهاية العرض على وقع تصفيقاتهم البلهاء، كيف أعلم! لأنني ببساطة أحمر شفاه!  نعود، تساءَلت: لِم تأبى الشمس أن  تشرق من ناحية أخرى؟ علها بذلك تضيء بقاعًا لم تطلها من قبل، فلربما تداعب ستائر نافذة أخرى، علها تكون سبب مواء قطة وتمطيها تحت سيارة بجانب الطريق، عساها تخطئ هذه المرة غرفتها، لتبقى كما أرادتها هي مظلمة، سوداء، إلى أن ينجلي صدأ  الحزن عن قلبها، ربما بعد شهر، بعد سنة، أو ربما بعد ثوان فقط، فهي ـ كما أسرَّت لي ذات مرة ـ مزاجية حدَّ المرض! فتَحت النافذة وأعْرضَت عن النسيم المتسلل، أخذت فطورها على أنغام فيروز بعد أن ارتدت ملابسها بألوان أساسية  مملة، صباح ومسى .. تركت الحب أخذت الأسى،  كنت أمد عنقي في فضول؛ لألمحها حينما أطفأت المذياع بغضب، تراها لا تزال تذكره، أم تذكر خيبة أملها! لا لا لا هيصة يا جماعة! ما عدت أحتمل؛ فالكآبة الأنثوية قد عبقت بالمكان!

ضفيرة محكمة العقد، حذاء رياضي مهمل التنظيف، لا زينة، بربِّكم ! هل هذه طلَّة فتاة؟ حقًا لا أفهمها! ها هي ذي آتية لتحملني معها، كم تزعجني يداها الباردتان وكأنهما لمسلوب روح، ولكنني أعشق حقيبتها، فيها الكثير من الفوضى: تذاكر حافلات، قصاصات ورق،  أقلام مكسورة، بقايا خبز، ولا أستغرب وجود كأس زجاجي من كؤوس طقم الشاي! والأروع دفاتر كتب على هوامشها  فقط: أسرار طبعًا. بالحافلة، تجلس بآخر مقعد، بيدها كتابها، تجول بعينيها لبرهة، تتأمل الركاب، تنصت إلى أحاديثهم بشغف، تومئ في لطف لطفلة، تدير مكالمة للسيدة العجوز بجانبها، هذا عالمها المفضل.

 كتابها  يتحدث عن المفاضلة بين الأدب والعلم، عن معاني الجمال والحرية، عن رسالة الفن وفلسفة الغائية، والكثير الكثير عن أبهة النساء الراحلات. تنغمس بالسطور، تختفي، تغدو أداة ترقيم، هنا فاصلة لتتمعن، وهناك بالسطر الثالث، علامة تعجب، أستطيع رؤية ذلك حالما تفتح عينيها على اتساعهما، يغدو لهما بريق، يغدو لهما حديث مُشَفَّر وتفتح فمها في ذهول، ثم  أخيرًا، عندما تصل محطتها قرب الجامعة، عندما تفارق قدماها درج الحافلة، تصير نقطة  نهاية أو نقاطًا متقطعة، هذا يعتمد على حالة الطقس.

تخرجني من حقيبتها، تمسكني بكفها المرتعشة، تضغط علي بكل ما يعتريها من ارتباك، تخطو على عجل بممرات الجامعة، تتحاشى جميع الخلق، تلزم الهامش، تمر كورقة خريف تحملها الرياح خفيفة، بالية، ساكنة. يصُكُّ سمعها صراخ نوارس، تتابعها بالأعلى، تحلق بثبات، تمر محاذاة غيمة وحيدة، حدودها تشع، لتطل من خلفها الشمس ساطعة، ضحكات، همسات، مجاملات، و قبل صباحية، فقط كالمعتاد.

تتلعثم خطواتها، تبتسم  في غباء لمن حولها، تلقي تحية، لم تتلق أي جواب عليها، تلتقي نظراتها بزميل دراسة؛ فتشيح بنظرها، تستغرب مِن فعلها ذاك، تأخذ نفسها إلى أبعد آماد المَلام، تصرخ في سرها أن كوني طبيعية! أَمريضة انت بداء كره الآخرين! تأخذ اتجاه اليمين نحو مرحاض السيدات، في هذا الوقت يكون ممتلئًا عن آخره، فرصتي لأظفر بأحاديث قصيرة مع بني جلدتي، أحلى الأوقات! تأخذ طريقها بينهن، بين صخبهن نحو المرآة، لا تزال أصابعها تلفني بإحكام، ارتعشت أناملها وهي تخرجني من جيبها، أزالت غطائي ورسمت خطًا خجلًا فوق شفتها العليا، التفتت للفتاة بجانبها، ابتسمت لها في وداعة، ربما في رجاء! ألقت تحية ومجاملة، ردَّت عليها الأخرى بالمثل، إن لم تكن في حركة ميكانيكية تلقائية مرفقة بابتسامة باهتة! سَأَلَتها صاحبتي عن ماركة أحمر شفاهها ودرجة لون صباغة شعرها،  تهلل وجه الفتاة، انطلقت تسرد الكثير من التفاصيل والمعلومات، تأبطت ذراع صاحبتي ومضت بها نحو الفصل. آن أوان الاِنزواءِ في عمق الأشياء والنُّزوع نحو توافه الأمور وزيفها! علِمتُ هذا من منظر أحمر شفاه تلك الفتاة، كان مزينًا بطريقة مبتذلة، فاقع اللون، يشبه الكثيرين منا، مكرر إلى أن بطُل عنه التميز والسحر، كصاحبته  على أية حال.

أما الآن، وقد اكملت مهمتي، فقد بات ملحًا برأيي أن أعرف حقيقة عن نفسي: أنا – سادتي – أبدًا لست مجرد أحمر شفاه، لست أداة زينة وحسب، إنما أكون فكرة، اختيارً، زر تشغيل، وربما ملاذًا أخيرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد