من الأصول العظام والمكررة في كتاب الله تعالى بنصوص متكاثرة ومكررة، وبطرق شتى أصل (الولاء والبراء). وقد أساء الكثير فهمه، وأصبح محل اتهام! رغم أنه أصل عقدي كبير في عقيدة المسلمين وفي واقعهم وتاريخهم.

فكلما حدث أي تعدٍ على الأقليات من أي متهور لم يفهم عن الله تعالى خطابه وعن رسوله (صلى الله عليه وسلم) مراده؛ انطلقت كثير من الألسنة باندفاع تهاجم عقيدة الولاء والبراء، ثم تتمادى فتتعدى على الهوية الإسلامية، إلى أن تصل إلى اتهام من يقدم الانتماء للإسلام على أنه خيانة للأوطان! ومن هنا يجعلون الوطن مقابلًا للإسلام.

ومآل الأمر هو التعدي على الإسلام هويةً وشريعةً، ثم التعدي عليه عقيدةً.

ولهذا نوضح هنا بعض الحقائق؛ فالأمر يحتاج الى دراسة، ولكن هذه كلمات مجملة وخطوط عريضة في وظيفة الولاء والبراء:

أولًا) أنه يعطي للأمة هويتها وللمسلم جنسيته. فهذه أمة مسلمة، وانتماء المسلم لها، عبر التاريخ وطوال تاريخ النبوات والرسالات. أمة واحدة (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) هذا مُعطَى كتاب الله ومقتضى العقيدة.

وهذا حاسم في شأن تحديد الانتماء.

فالانتماء جزء من العقيدة فالعقيدة تحدد للمسلم تصوره، كما تحدد له مصدر تشريعاته وقوانينه، وكذلك تحدد له انتماءه.

وأما الأوطان الحديثة والقوميات الحديثة والقديمة فهي فصائل داخل الهوية الواحدة، الانتماء إليها أمر طبيعي: للتعريف، وللعمل لها ولتنميتها داخل الانتماء الأكبر؛ الانتماء الإسلامي، وبشروطه:

 1) عدم تقديم الانتماء القومي على الولاء العقدي.

2) عدم مظاهرة غير المسلمين على المسلمين في قطر آخر. كمن يفتح للغرب أراضيه وقواعده، انطلاقًا من أراضيه واستعانة بمقدراته، ليغزو بلدًا مسلمًا.

3) عدم التآمر مع غير المسلمين في السر على المسلمين في أي مكان.

ثانيًا) تحريم أن يعاون مسلم أو قُطر إسلامي، لقُطر آخر غير مسلم على فئة أو دولة من المسلمين. وهو ما يسميه العلماء (مظاهرة المشركين)، وهذا هو الذي أسقط دولة المسلمين في الأندلس والقوقاز وتركستان، وأضاع فلسطين وفصل جنوب السودان… وهلم جرًا؛ بل ويخشى الناس مزيدًا من الأسى إن لم ينضبط حالهم بما أمر الله تعالى.

وهذا التعاون الظاهر، وهو ما يسميه العلماء (مظاهرة المشركين) هو أظهر الصور الواردة في التحريم الرباني في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم).

ووصْفُ (اليهود والنصارى) هنا وصف ملغيّ، بمعنى أن الأمر يشمل غير المسلمين سواء كانوا من أهل الكتاب المنسوخ، أو من الوثنيين، أو الملاحدة.

وهذا حاسم في عدم تفتيت بلاد المسلمين وعدم السماح بالدخول في حروب ضد المسلمين معاونةً لغير المسلمين أو بالاستعانة بهم ضد المسلمين تحت أي مسمى. حيث مُررت مخططات ضد المسلمين قديمًا، وتمرر حديثًا لإبادتهم، وآثارهم شاهدة على ذلك، كما مرت الإشارة إلى ذلك.

ثالثًا): تحريم التآمر مع غير المسلمين سرًا على فريق من المسلمين أو قُطر منهم، وفيه جاء الوعيد الشديد (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوَّل لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله سنطيعكم في بعض الأمر، والله يعلم إسرارهم) يعني في التآمر على المسلمين. وفيه (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله) (ألم تر إلى الذين تولوا قومًا غضب الله عليهم ما هم منكم ولا ومنهم) ـ يعني في الاعتقاد، ولكن جمعهم التآمر على المسلمين (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون أعد الله لهم عذابًا شديدًا…) الآيات.

رابعًا): تحريم التشبه الكامل بغير المسلمين بحيث تصبح حضارات الغرب والشرق مشربًا حضاريًا وصبغة بديلة، وفيها جاء الحديث (من تشبه بقوم فهو منهم) وقال عبد الله بن عمرو (من ساكن المشركين وصنع نيروزهم وتشبه بهم فهو منهم).

وهذا يمنع الذوبان الحضاري للمسلمين، ويحفظ المشرب الثقافي الخاص بالأمة، ويجعل التأثر بالغير تأثرًا واعيًا يأخذ ويذر بوعي وعِزّة.

فمع احتفاظ المسلمين بهويتهم وصبغتهم ومشربهم الحضاري، لهم أن يأخذوا ما يستحسنون من الأمور التنظيمية والتقنية والعلوم والتكنولوجيا؛ لكن في جانب الاصطباغ بالقيم الحضارية الأخرى فالشأن مختلف.

هذا هو الدور الأساس الذي تعطيه عقيدة الولاء، فهي تعطي للأمة هويتها وتمنع التفتيت والانفجار الداخلي للمسلمين بالمظاهرة العلنية مع غير المسلمين معاونةً أو استعانةً بهم، أو تواطؤًا مع غير المسلمين في السر للإضرار بالمسلمين.

يبقى هنا موضوع الأقليات، ويجب توضيح الأمر جليًا.

أولًا) الولاء والبراء ليس موجهًا إلى التعامل الفردي مع الأشخاص، بل المقصود به عدم الدخول تحت راية غير راية الإسلام كهوية مناقضة، أو كراية مناقِضة للإسلام محارِبة له. أما التعامل الفردي فليس هو الولاء المقصود.

ثانيًا) يفرّق الإسلام تمامًا بين الواجب العقدي وما يستتبعه من تميز وإيضاح للحق، فهذا حق منهج الله على المسلمين أن يقيموه ويميزوه ولا يجاملوا فيه، فلا مجاملة في حق الله تعالى عقيدة ومنهجًا وهوية.

وبين إقامة العدل على الخلق جميعًا دون تفريق. (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).

ففي الإسلام يضمن غيرُ المسلم حقه ويطمئن في الحصول عليه لا يمنعه من هذا اختلاف عقيدته ودينه، فحقه في الاعتقاد وحماية عرضه ودمه ماله والعدل في الخصومات أمر متقرر في هذا الدين.

ثالثًا): يقرر الإسلام هوية الأمة ويحدد الشريعة الحاكمة والنظام القائم؛ النظام السياسي والاجتماعي، والفكري والثقافي. وفي هذا الإطار، إطار احترام الهوية والشريعة، تعيش الأقليات أيًا كانت ديانتها.

تعيش هذه الأقليات لتشارك بدورها في بناء الوطن المشترك والحضارة العامة، ويُضمن لهم الاندماج وعدم العزلة.

رابعًا) وعلى هذا يجب التفريق بين الدين والعقيدة، وبين الهوية. وقد أدرك هذا كل من خرج عن التعصب وأحلامه، ولهذا كانت كلمة مكرم عبيد مثالًا لهذا الإدراك عندما قال (أنا مسيحي الديانة مسلم الهوية).

وأنقل هنا نقلًا له دلالته عن سيد قطب رحمه الله المتهم بالتطرف والمسؤولية عن الإرهاب! بينما يقرر هذه الحقيقة في بساطة؛ فيقرر في مواضع كثيرة أن الإسلام يضمن للفرد وللطائفة حرية العقيدة وممارسة العبادة ضمن إطار الهوية الإسلامية والنظام الإسلامي. ثم يقول هنا عند قوله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) الآية.

«وهنا نطلع على صفحة من صفحات السماحة الإسلامية؛ في التعامل مع غير المسلمين، ممن يعيشون في المجتمع الإسلامي «في دار الإسلام»، أو تربطهم به روابط الذمة والعهد، من أهل الكتاب.

إن الإسلام لا يكتفي بأن يترك لهم حريتهم الدينية؛ ثم يعتزلهم ، فيصبحون في المجتمع الإسلامي مجفوين معزولين ـ أو منبوذين ـ إنما يشملهم بجو من المشاركة الاجتماعية، والمودة، والمجاملة والخلطة. فيجعل طعامهم حلًا للمسلمين وطعام المسلمين حلًا لهم كذلك. ليتم التزاور والتضايف والمؤاكلة والمشاربة، وليظل المجتمع كله في ظل المودة والسماحة. وكذلك يجعل العفيفات من نسائهم – وهن المحصنات بمعنى العفيفات الحرائر – طيبات للمسلمين، ويقرن ذكرهن بذكر الحرائر العفيفات من المسلمات. وهي سماحة لم يشعر بها إلا أتباع الإسلام من بين سائر أتباع الديانات والنحل. فإن الكاثوليكي المسيحي ليتحرج من نكاح الأرثوذكسية، أو البروتستانتية، أو المارونية المسيحية، ولا يقدم على ذلك إلا المتحللون عندهم من العقيدة!

وهكذا يبدو أن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يسمح بقيام مجتمع عالمي، لا عزلة فيه بين المسلمين وأصحاب الديانات الكتابية؛ ولا حواجز بين أصحاب العقائد المختلفة، التي تظلها راية المجتمع الإسلامي. فيما يختص بالعشرة والسلوك. أما الولاء والنصرة فلها حكم آخر سيجيء في سياق السورة» في ظلال القرآن، سورة المائدة.

وأما ما يُحذر على غير المسلمين فأمور واضحة:

أولها): التآمر على هوية الأمة وشريعتها والسعي في تدميرها العقدي، أو معاداة محاولة الجماهير لتقرير هويتهم ومستقبلهم.

وثانيًا): التآمر مع رايات غير المسلمين في الخارج على الأمة في الداخل أو استعداؤهم عليها.

أخيرًا، فإن تقرر هذا فعقيدة الولاء والبراء ليست مشكلة تعلق عليها نزق التعصب أو أحلام المتآمرين، أو شماعة للتخلص من استحقاق الهوية الإسلامية أو مدخلًا للتعدي على نصوص القرآن والسنة وعقيدة أصحاب رسول الله وعشرات القرون، وملجأ الأمة في الخروج من مأزقها التاريخي اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد