نحار جميعًا في وصف تلك الحالة العشوائية والمضطربة من عدم الإحساس بأي متغيرات، الأحداث التي تطرأ على المرء منا وهو يعترك الحياة وخضمّها، جلنا نعاني إحساسًا من عدم الإحساس، أو بالأحرى، عدم الاكتراث، لا مبالاة ولكنها ليست كاللامبالاة، الأحداث لم تعد تملأ حياتنا بنفس الشغف والاهتمام الذي كانت قبل سنين تحدثه فينا.

لم تعد الفواصل الزمنية تكفي للفصل بين الأحداث المتسارعة، التي تبدو للوهلة الأولى كما لو كان تسارعها هو الذي قتل فينا ذلك الإحساس المرهف بالخير والشر، بالقبح والجمال، بالذات والجمع، بالعام والكينونة.

ولكنها ليست الأحداث، الأحداث تمضي بنفس التسارع، وبنفس التراتب، بنفس الأشكال، ولكن مكونًا ما بداخل أنفس «الصادقين» يتغير كلما شعروا بزيف ما حولهم، أقول «الصادقين» هنا، ولا أعني بها أولئك الذين يرفضون شهادة الزور في المحاكم، أو أولئك الأطفال الذين يشون بزملائهم في الفصل المدرسي لأن المعلمة قالت لهم إن الصدق يهدي إلى البر.

الصدق دائرة أوسع وأعم وأشمل من مجرد صدق المواقف ذاك، على حمده وشكر صاحبه، ورجاء المثوبة له.

«الصدق منجاة».

ربما لم أتدبر هذا القول يومًا ما، كما تدبرته في تلك المكالمة مع عزيز على قلبي، لقد رنّت لفظة «منجاة» في أذنيّ، هذا القول بالمناسبة ليس حديثًا عن «محمد» صلى الله عليه وسلم، هو من الإرث العام، وربما لم يقصد أول من أطلقه ذاك المعنى الذي لمسه قلبي حينئذ.

ماذا يميز الإنسان عن غيره من ساكني الأرض؟

إنه الصدق، الصدق الذي يعطيه القدرة على التسامي فوق أي منغص، وتجاه المطلق الوحيد، ذلك المطلق الذي نعتبره بالمفهوم الإسلامي «الله»، وأيًا كان مسماه لدى بني البشر، فهو ثابت مشترك متخط لكل فوارق الدين واللغة والعرق والمستوى، الإنسان يستطيع التسامي بصدقه، فور قراره المفرد الذي لا تؤطره ثقافة، ولا يشترط أن يشكله وعي، اللهم إلا وعيه بنفسه التي بين جنبيه، ومن هنا يأتي الطوق، ومن هنا يصبح الصدق منجاة.

الصادقون يستطيعون تخطي تعاظم الأحداث وجلل وقعها، من خلال «ممارستهم» العملية لصدق مبتغاهم، عبر سبيل التفكر، التفكر الذي يعد المصل الذي يمكنهم من تخطي الأحداث والزلازل التي تعصف بالعالم حولهم وبهم، على الرغم من أنهم يكونون أصدق المحسين بها، والمتألمين لوجعها، والمبتسمين لفرحها، ولكنهم لا يستغرقون وقتًا طويلًا حتى يدركوا كنه المقصد، ونبل غاية وجودهم، وتتسامى قلوبهم فوق الخطب، وتمر من فوقه كما لو كانت تركب بساطًا أعلى غمام انقشع.

ولكن ما الذي اختلف؟

ربما أدى تعاظم الخطوب بشكل غير مسبوق، إلى افتقادنا اللمسة الروحية لممارسة الصدق، وانزلاق الصادقين إلى مغبة التجريب العملي المحسوس والملموس الآني للنتائج، بل وانتظارهم لها حالًا، تلك الحالة التي تفقدهم دون أن يشعروا «التلمّس» الحقيقي للمعرفة الكونية والروحية، ربما ينفقون في الحادث شهورًا متفكرين متدبرين، دون أن يشترطوا على أنفسهم صدق المبتغى، فيصبح ثقلًا على ثقل، ثم تتبلد القدرة على الممارسة الفعلية للصدق لديهم، فيصبحون كغيرهم من البشر، أو فلنقل كغيرهم من البهائم، غير آبهين لروح الكون ولا لتجلياتها عليهم ولا لتأثيراتها فيهم.

نفقد الصدق حين نتلمس النتائج، تدفعنا لذلك عقولنا الحائرة، وقلوبنا الحارة، ونفوسنا المكلومة، ولكننا نفقد الصدق حين نتلمس في غيره شفاءً، حتى إن كانت النتيجة في حد ذاتها، فتعافينا من الخطوب كائن وراء الصدق.

الموضوع لا يتناول الجانب الروحاني فقط، الإنتاج البشري كله رهن لحظة صادقة، إن أصدق اللحظات البشرية هي تلك اللحظات التي يتوصل فيها الفيزيائي إلى ما يقرب من ناموس كوني، أو يكتشف فيها الكيميائي عنصرًا جديدًا، أو يدرك الأديب لفظًا لم يسبق إليه، أو يدفع الرسام عمره من أجل خطّة قلم قد لا يندم كثيرًا إن مات بعدها، في تلك اللحظة يدرك هؤلاء «سر الكون»، في تلك اللحظة، أيًا كان دينهم، هم يقفون في أقرب مكان من «الله»، لماذا؟ لأنهم قصدوا بصدق، فوصلوا بصدق، فوهبوا السعادة، «إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ»، يخشونه لأنهم أقربنا إلى تلك اللحظة، لقد أتوا هنا لأنهم لم يسمحوا للمنغصات أن تعيقهم عن طريق الوصول.

ألم تستغرب يومًا لكل هذا الإنتاج الغزير الذي ينتجه أولئك الذين قبعوا يومًا خلف الزنازين، مع أن المنطق البحت يخبرك بأن الظروف لا تلائم أبدًا الإبداع؟ ألم تلتفت لمعنى اعتكاف «محمد» في حراء وليس بينه وبين الكون منغص؟

ألم تستغرب من آلاف الدراسات التي تؤكد أن «اليوجا» بوابة تعاف وتلمس حقيقي لروح الكون، على الرغم من أنها ليست سوى مجرد «تجرد» و«صدق»، حتى وإن كان مع أقرب جسم محيط بك؟

ألم تستغرب تلك المتعة واللذة التي لا تستطيع أن تصفها، حين يستغرقك كتاب أو رواية، وتقوم وقد رأيت الساعة قد مرت، ولست بفاعل شيئًا سوى الانهماك في مضامين ما قرأت؟

طيب، هل لك أن تخبرني ما لذة القرآن، هل مجرد القراءة؟ هل الحبر المطبوع في القرن الحادي والعشرين، على الورق المصنوع في القرن الحادي والعشرين، المغلف بالكرتون المصنع في القرن الحادي والعشرين، بالتصميم الموضوع في القرن العشرين أو الحادي والعشرين، ممتع لتلك الدرجة التي تشعر لديها بالاستشفاء الحقيقي فور «تفكرك» في معنى من المعاني القرآنية التي لا حصر لها؟

إذًا حلّنا، سنون السجن، واليوجا، والكتاب والرواية، وتدبر القرآن، حلّنا أن نعيد صلتنا بكل ما نمرّ به بشكل «صادق».

أدرك أننا قد أخذتنا الأحداث التي لم نسمع عن مثلها، ولم يختبرها أحد ليحكيها لنا، كل ما حدث خلال السنوات القليلة الماضية خارج عن إطار معرفتنا الإنسانية الواقعية لا المقروءة في الكتب، لقد قرأنا كثيرًا عن دماء وانقلابات وتهجير ولجوء وحرائق وانقسامات وحروب، لكننا لم نر منها إلا اليسير، وذلك هو المنغص الحقيقي.

طوق النجاة في أن نستدرك الصدق ونمارسه بشكل عملي، من خلال التدبر والتفكر، أن تمر الأحداث أمام ناظرينا فنوفيها حقها ونتجرد لله ولأنفسنا ونحن نختبر أنفسنا تجاهها، ثم نحول صدقنا هذا لطاقة منتجة تتفاعل مع الأحداث كما يتراءى لقلوبنا الصادقة، ومع الصدق يأتي التهوين، ويأتي خلاص المؤمنين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

طوق النجاة
عرض التعليقات
تحميل المزيد