أعتى الكتب لهذا العام حقًا.

كعادتي، دائمًا ما تجتذبني مقدمات الكتب والإهداءات، فوجئت بكلمات درويش عن الرواية وأنها أعظم إنجازات النثر في الأدب الفلسطيني رُغم ذلك تحاملت على الكاتب بدون مبرر واضح، خصوصًا لمعرفتي السابقة بأنها نوعٌ من السير الذاتية، ما المبهر في حكايا الكاتب وحياته إلى هذه الدرجة؟ هل أحداث حياته بتلك الروعة الكافية للإسهاب في الحديث عنها؟ ولكن، أدركت بعدها حجم إخفاقي في تقديره!

حسين البرغوثي، تورطت فيك بالمعنى الحرفي لكلمة التورط، كنت أحسب أن لك قاعًا، ولكن لا قاع هناك، أنت حقًا من الخالدين يا رجل.

الكتابة غير التقليدية مثيرة في المطلق، ولكن أن تحب عملًا أدبيًّا لدرجة تمني ملاقاة أبطاله بهذه الدرجة؟ الموضوع معقد. ولكن الحقيقة الوحيدة هنا أنني أدركت ماهية «ضوئه الأزرق». وأقر أنني لطالما بحثت في حياتي اليومية عن شخوص مثل «بري»، ويوم التقيته كان مجرد بطل لسيرة ذاتية ما، ولا أبالغ بالطبع حين أقول إنني «صُعقت» عند معرفتي بأن الكاتب رحل مع السرطان، يبدو أنهم محقون في كلامها عن الله والموت، العظماء يتم اختيارهم ببساطة وحرفية، يبدو أن الموت لاعب بوكر محترف!

ذاك الفهم السطحي لما يمر من عنوانين أمام مخيلتنا البسيطة في البدء، والتي تبدأ لتتكون بصورة أخرى عندما ننزل إلى العمق الجميل. بالصفحة الأولى للرواية شعرت بأني سعيدة هناك «صوفيا بالقصة»، وجلال الدين بن رومي، قرأته من خيالات أشعاره التي تصل بك لملامسة غيمه، وركوب نسمه لتصل إلى ما بعد الإدراك.

تعتبر القصة وبعد قراءتي الأولى لها، سيرة ذاتية، إن صح تسميتي لها بأدب السيرة، ولكن قبل أن أتحدث عن الرواية، أقول لكم إني أقرأ (بإحساسي)، الكاتب يسقط إحساساته وانفعالات روحه، ونحن نتلقاها بانفعالاتنا وإدراكنا الحسي لها.

قرأت في كتاب علم النفس (أن الأزرق يرسل موجات تريح وتهدئ، والرمادي يبث موجات حزن وقلق)، أما في قاموسي الذاتي (أنا) أشعر أن الأزرق لون يذكرني بالبحر، السماء، وحلم جميل ينقلني لعوالم من الغيم الأبيض الشفاف، أما ما يعنيه الأزرق لـ«حسين البرغوثي» فهو مناقض تمامًا فهو طاقة الشر، الحزن، والسلبية، ولم تأت هذه الإسقاطات من فراغ، إلا من ذكريات كونت له اللون الأزرق بهذا الشكل، ليبدأ روايته بالحديث عن ذاكرة الألوان في داخله، منذ طفولته من إنارة «الكاز الصفراء» فيشير إلى تطور الثقافة الفلسطينية في القرن العشرين بما سماه «نقلة ضوئية»؛ من القمر – سراج الزيت – الكهرباء النيون الأبيض».

ويتضارب في هذه الذاكرة الملونة بأخرى تربينا عليها دون نقاش، مفاهيم اكتشفنا فجيعتها بعدما كبرنا، حيث يقول الكاتب وكأنه يعبر عن الكثير من الأشياء بداخلي حينما سأل عن موت أخيه الصغير أين ذهب، فتجيبه والدته بأنه تحول إلى طائر أخضر بالجنة. لندرك بعد الكبر أن الطيور لا تعيش طويلًا، وموطنها الأشجار وأسطح المنازل.

ليواصل في حديثه وبحثه عن ذاته، ويولد من جديد الولادة الحقيقية للإنسان في فهم نفسه من الصمت والتأمل لما يحيط به حتى تلك الأشياء التي نظن أنها عابرة ولا قيمة لها بالحياة، فيقول (لم أكلم أحدًا تسعة أشهر ولم أكن أعرف أحدًا وكنت أمشي حتى الصباح في الغابة المحيطة ولكن الله كان يحيطني بكل عالم الهامش هذا وبكل جاذبيته)، وكأنه أعاد روحه إلى رحم أمه وما يحيط بها من هامش الكون ووحده يبقى هناك يتابع بصمت جميل.

يبدأ الإنسان بصنع الهوية التي تناسب مخيلته فكل شخص فينا يصنع الهوية التي تناسبه أمام الجميع، وليست تلك الهوية التي تلصقها بنا القيم والتقاليد، بل ما نحب أن نظهر بها أمام الآخرين، في حديثه عن «جوني»، الذي حاول أن يوجد تاريخًا يرضاه لنفسه وحقيقة آمن فيها، بينما الكاتب «حسين» هويته وجذوره حقيقة وقوية.

ليلتقي بصديقته «سوزان»، الشخصية التي تتابع لبقية الفصول الأخرى، وهي نقيضه المجنون، هويتها حبرها وورقها ولوحاتها الزرقاء المتخيلة. وكلاهما يبحث عن العقلانية بصورة أو بأخرى.

أما الشخصية التي تدور أحداثها من الصفحة الأولى حيث يعرف بـ«بري»، ذاك المحور الرئيس في كل ما يفيض من أفكار الكاتب، أو الدينمو الذي يفجر ويحرر عقل «حسين»، بالتعمق في روحه ليفهمها أكثر، ولربما كلنا نحتاج لـ«بري» في حياتنا، حتى نغوص أكثر بالأعماق، وندرك أنفسنا من حين لآخر.

ونقرأ مدخلات الكاتب، بطفل يحلم بمدينة أطفال سرية، يعيشها بمخيلته ويسرح في البحث عنها، إلى رهبة من البحر الذي كان لقاؤه الأول به لقاء بطعم الموت الأزرق، وهديره العاتي، تلك الذاكرة التي تتشكل من المواقف، لا يمكن للعقل أن يلغيها أو ينساها إن لم تأت فكرة أخرى تدحض الأولى بنقيضها.

في غمرة البحث عن الذات يعرج «حسين» على منحى آخر من حديثه عن خوفه من أن يعيش حالة انفصام إنسانية من خلال علاقته بالزوجة التي أطلق عليها اسم «ماري» – اسم مستعار -، وما خرج فيه من تجربة أن الإنسان يمكن أن يعيش بشخصية أخرى غير شخصيته أو أن كلًا فينا، وفي عوالمه الداخلية قد يتمنى عيش الآخر، بصفاته وشخصيته تاركًا إرثه الشخصي في الحياة، متمنيًا إرث غيره، لينتقل من حالة تحليل ذاتية إلى حالة تحليل وطنية في تعريجه على حال الضفة الشرقية والغربية وحلقة الوصل التي لا يمكن أن تنفصل عن أي انفصام ما، وهو جسر الأردن، كوسيلة للانتقال للضفتين تمامًا بأن الإنسان المنفصم الشخصية لا يمكن أن يعيش بشخصية دون أخرى، ولكن لكل شخصية وقتها الذي تهرب منه الشخصية الأولى للثانية، وحتى الانفصام هذا يولد انفصامًا آخر بين العلاقة التي تجمع (عدوين في جسد واحد، العربي واليهودي، وكلاهما يبحث عن هويته وعن واقعة في جسد واحد).

ويتابع في الفصل الثاني من الرواية، بحديثه عن ذاكرته الطفولية الجبلية التي نشأ عليها، ومنها كان يجد الأمان الحقيقي بالتطلع من بعيد لكل ألمه وخوفه، ابتداء من خوفه من البحر، وأحلامه التي تطارده وقتًا طويلًا، فسكنه البحر، دون أدنى مقاومة في روحه، وكبر وكبر الخوف بأعماقه حتى أصبح عمقًا يغلي ويثور، لن ينتهي الخوف ما دام ذاك القعر مظلمًا، ولن يكون إنسانًا ذا قيمة إن لم يفرغ ذاك القاع من حطامه القديم.

تمامًا ككل فينا يتشكل بطفولته كل المفاهيم التي قد يقاومها في الكبر، أو يدعي مصادقتها في الواقع، ما تشكلت القناعات وما تشكلت المعارضة لشيء ما إلا وكأن له العمق المتخفي بأنامل الطفولة. تمامًا ما عبر عنه بأن «طفلًا كبيرًا وصغيرًا يعيش فينا»، (حالة انفصام أخرى نعيشها بطمأنينة وسلام).

في مقدمة الفصل الثالث للرواية، يكون أكثر حديثه عن نفسه، وعن أحداث واقعية شهدنا تاريخها بدروس التاريخ التي ملئت بالكتب وما زالت تعيد نفسها بصور أكثر حداثة لكن بنفس الرتم والسياق التاريخي، كحرب لبنان الأهلية، وطوائفها المتعددة، والاغتيالات السياسية التي نفذتها إسرائيل ضد العديد من الفلسطينيين المهجرين مشيرًا إلى اغتيال غسان كنفاني في ذاك الوقت.

ولكن الأهم في كل هذه المقدمة، هو التاريخ الحقيقي لكل إنسان فينا، والمسميات التي تلتصق به، أو ما يلصقه الآخرون فينا، مما يشيع في روحنا الإيجابية أو السلبية في مراحل عمرنا المتقدم، فكم اسم «حمار»، «كلب»، «معتوه»، «مجنون»، و«أهبل»، و… و… و… وغيرها، قد تضاف قبل أي حوار لأي إنسان، فيكون قاموسه قد عمر بكافة أسماء الحيوانات، أو الصفات الدونية، تعبيرًا على عظمة الآخرين وتحقيرًا للإنسان، دون دليل. فقد لقبوه بــ«الأهبل»، «السطل»، «الأطرش»، وأخيرًا بــ«العبقري»، بتحليل جميل منه لهذه الكلمة حينما كتب قصيدة اتهمه الآخرون فيها أنه قد سرقها من شاعر معروف ما، مشيرًا إلى الوادي الذي ذكر في القرآن الكريم، (وادي عبقر) الذي يهيم فيه الشعراء، ويتهمون بالجنون، فكل تلك الصفات تكون قاعدة لعلاقة الإنسان بغيره من البشر، وتلك القاعدة نفسها هي التي جعلته منفردًا بعيدًا عن الناس بعلاقة متميزة بغير جنسه، لتكون الكلمات صديقته، فمنها تخرج روح الإنسان الحقيقية. مسميًا لها بــ«أصدقاء السفر: الكلمات»، فقرأ الكتب والمعلقات والأشعار وتصادق مع الكلمات، ليكون قاموسه الإنساني الخاص به، بعيدًا عن البشر.

«قصة الحجر» باختصار. ما يهمني بالمقدمة: أن التاريخ هو ما نحبذ أو نرغب في قراءته حيث نضع فيه أفكارنا التي نرضاها لأنفسنا ونحس أن فيها أهميتنا الذاتية وليس ما يمليه علينا الواقع ببعض الأحيان.

أنا أصنع التاريخ الذي يوافق هواي.

ولم تأت هذه الحكاية جزافًا، أو لربما أراد «حسين» أن يشير لخبث اليهود في تزوير الحقائق بكتابة تاريخ بما يوافق معتقداتهم الدينية والفكرية والصهيونية، ذاك التاريخ حتى لو كان مزورًا، أقام لهم «مغتصبه» سميت بـدولة إسرائيل على أرض فلسطين.

ويعود… بطريقة جميلة يتحدث عن أن الإنسان الذي يرى شيئًا ذا قيمة ليست عنده، يحاول أن يحط من قيمتها مصبغًا صاحبها بما يناقضها، بالحقيقة التي تشوه الجوهرـ تمامًا مثلما وصفوه بالأهبل والسطل، مشيرًا إلى أنهم ومنذ عصر ما خلق آدم لليوم، وطاقة الحسد والتغذي على طاقة الآخرين موجودة.

في ضوئه الأزرق العنيد، الذي يستطيع من خلاله تخيل أوضاع أكثر جمالية، بأن يتكيف بالعادية، وأن يلبس أقنعة تتناسب مع الحياة. يشعرني أني بحاجة لإعادة قراءة الكتاب مرات ومرات. الخلاصة، هذا الكتاب تجربة روحية تستحق أن تقرأ، وأفضل إنجازات النثر الفلسطيني كما راهن بها الراحل محمود درويش حين قالها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد