لطالما آمنت بأن مغامرة العلم هي بحـث عن الأسئلة مثلما هي بحـث عن الإجابات، بحث شغـوف عن تلك الأسئلة الأكثر عمقـًا وهولًا، تلـك الأسئلة التي تضعـنا وجهًا لوجه أمام جهلـنا اللانهائي، تلك الأسئلة التي تصعق الروح الإنسانية وتذهلها وتستفزها، وتلهمـها لإنجاز المستحيل، تلك الأسئلة التي توحدنا جميعًا -نحن البشر- فوق نزواتنا وأنانيتنا وخلافاتنا التافهـة، فكلنا أمامها سواء، ضعفاء مسحورين تتملكنا الرهبة، ويعذبنا فضول حارق لا يرتوي، أعتبر نفسي مؤمنًا مخلصًا بحس التساؤل، الولع بالغريب والمدهش والمجـهول في العوالم الكونية، مطاردة الأسئلة المستحيلة، اقتحام المتاهات العظمى التي تبدو عصية على الحل.

«إلا أن التساؤل -بحد ذاته- ليس نهاية الطريق وإنما بدايته، الطريق إلى نور الحقيقة، ونحن نطرح الأسئلة الأعمق سعيًا وراء إجابات أكثر عمقـًا ونغمر أنفسنا في بحار جهلنا المظلـمة، وذلك على أمل أن نجعلها أقل إظلامًا لأجـيال الغد مما تبدو عليه بالنسبة لنا، إن التساؤل العلمي هو  -في أسمى معانيه- بحثـًا عن النور، ولكي نبحث عن النور فإن علينا أن نتساءل وأن نستمر في التساؤل، وعلينا ألا نخشى طرح الأسئلة التي لا أحد يعرف كيف يجيبها، وألا نهرب منها عبر التظاهر بأنها أسئلة فارغة بلا معنـى أو بأنها خارج نطاق تعريفنا التعسفي لـ«ما يعد علمًا دقيقـًا».

وعلى الجانب الآخر وبالقدر نفسه، فإن البحث عن النور يُوجب علينا التزامًا أخلاقيًّا ثقيلًا فيما يتعلق بتصميم أسئلتنا، وعن ذلك الالتزام أريد أن أتحدث هنا، إنه ببساطة، الالتزام بأن نصيغ أسئلتنا «بحيث تمكن الإجابة عنها من حيث المبدأ»، وما أعنيه ليس أن نسأل الأسئلة السهلة، وإنما أن تكون أسئلتنا واضحة ودقيقة ومحددة بقدر المستطاع وحتى إن لم يكن بوسعي ولا بوسع أي بشري في هذا العصر أن يجيب عن سؤالي، فإنني ما أزال ملزمًا بصياغته بحيث يحفز برنامجًا معقولًا للبحث والاستقصاء في وقت ما من المستقبل.

إن الالتزام الذي أتحدث عنه هو أن يكون طرح الأسئلة خطوةً في سعي مخلص نحو العثور على إجابات، بدلًا من أن يكون نشاطـًا عقيمًا نتسلى فيها باللعب بأسئلة لا تهمنا إجاباتها ونحن غارقين في قلب الظلام، بلا أدنى رغبة في الخروج إلى النور.

«وللأسف الشديد فإن معظم من يتغنون بالأسئلة العظمى في عصرنا هذا ينـتمون إلى قبيلة -الباحثين عن الظلام – وأنت ترى هؤلاء مسـترخين على أرائكهم المريحة، واضعين ساقًا على ساق، بينما هم مشغولون في نثر الملاحظات المتعالية عن عجز العلم وقصور العقل وضعف القدرة الإنسانية، والأسئلة التي يولع بها هؤلاء الباحثون عـن الظلام، ويشيرون إليها دومًا بمتعة كبيرة وبإحساس بالانتصار لا يبالون بإخفائه، هي أسئلة حقيقية وأصيلة ومهمة ونحن – بأمانة – لا نعرف إجاباتها، مثل :-

«أصل الكون، نشأة الحياة، سر النظام والتعقيد، وأولئك الباحثون عن الظلام لا يبالون بالإجابات ولا يريدونها أصلًا، وهم لا يشعرون بفضول حقيقي تجاه أسئلتهم تلك، ونادرًا ما يزعجون أنفسهم بالقراءة التفصيلية المتعمقة حول تلك الأسئلة، وما يمكن فعله بصددها، فما دامت ما تزال بلا حل فإن كل شيء على ما يرام، ذلك هو المهم!

إن الباحث عن الظلام يكره الإجابات ويحتقر المحاولات، إنه يريد للأسئلة العظمى أن تبقى في الظلام إلى الأبد، وذلك حتى يستـطيع الترويج لـ «بدائله» الخاصة التي لا يمكن الدفاع عنها عبر العقل والحجة، وذلك هو سر غرامه بالأسئلة غير المحلولة، ومنطق الباحث عن الظلام هو أنه ما دام العلـم لا يعرف إجابة سؤال ما فإنه من حق أي كان أن يؤمن بالإجابة التي تروقه!

»وعندما يواجه الباحث عن النور بمشكلة عظمى مثل نزعة الكثير من النـظم في الكون نحو الارتقاء في التنظيم والتعقيد في وجه التأثيـر الفوضوي لقانون الأنتروبيا، فإنه يحاول دومًا صياغتها بأبسط العبارات الممكنة وتحويلها إلى مجموعة من الأسئلة الأصغر حجمًا، والتي يمكن مهاجمتها بالتقنيات الفيزيائية والرياضية والكمبيوترية المتـاحة اليوم، أو التي ستتوفر في المستقبل المنظور، ولذلك فهو ينزع إلى الاهتمام بأسئلة أكثر تحديدًا مثل «هل هناك نزعة أصيلة لدى النظم المفتوحة التي تتعرض لانسياب مسـتمر للطاقة من الخارج، ونحو تنظيم نفسها تلقائيًا» – هل يمكن التعبير عن هذه النزعة رياضيًّا؟ – «هل يمكن نمذجتها حاسوبيًّا»، «هل ثمة نمط رياضي عميق يصف جمـيع النظم المعقدة التي تتكون من عدد كبير من العناصر المتـفاعلة مثل الحياة والدماغ والمجتمع البشري؟»، «ما المعنى الفيزيائي الدقيق لظاهرة الانبـثاق؟ وحتى عندما لا نجد إجـابة مرضية على هذه الأسئلة فإنها تنير فهمنا للظاهرة الغامضة وتقترح طرقًا مفيدة للتقدم المستقبلي.

»وعلى النقيض، فإن الباحث عن الظلام لا يهتم بتفاصيل تافهة مثل الفيزياء الرياضـية لانسياب الطاقة في النظم المفتوحة البعيـدة عن الاتزان Non equilibrium Thermodynamics، أو فن المحاكاة الحاسوبية والروائع المعقدة والمليئة بالحياة التي ينتجها، وبدلًا عن ذلك فإنه يفضل التغنـي بالعموميات والاختباء وراء التلميحات المـبهمة، والبقاء في العتمة بقدر المستطاع وأسئلته عادة ما تكون شيئًا مثل «ترى ما النزعة الغامضة الجارفة، تلك الحياة العميقة التي تكمن في أعماق المادة، والتي تدفعه دفعًا نحو الأعلى والأسمى، نحو النظام والحياة والوعي؟» وللأسف، فمثل هذه الأسئلة تم تصميمها بعناية لكي لا يجد أحد شيئًا مفيدًا يقوله إزاءها، ولهذا فلا غرابة في أن أحدًا لا يجد ردًّا مفيدًا عليها!

إن هذه الطريقة العقيمة في التساؤل لن تقود أبدًا إلى النور، ومن يتمسك بها إنما يريد لأوهامه العزيزة على قلبه أن تزدهر في أمان، لأنه يعرف أنها لن تبقى يومًا واحدًا تحت شمس الحقيقة الساطعة!

»لا أنا ولا أي أحد آخر يمكنه إثبات أنه ليس ثمة «ظلمة» حقيقية هناك، في رقعة ما وراء أفق المعرفة البشرية الحالية، أسئلة ليست فحسب غير مجابة وإنما غير قابلة للإجابة، ظواهر تنهار أمامها الأدوات العقلية التي وهبها التطور للجنس البشري، تمامًا كما تنهار أدوات الكلب العقلية إن أنت حاولت تعليمـه ميكانيكا الكوانتم.

«ورغم أنه ليس هناك ما يمنع هذا السيناريو المتشائم الذي أعرف أنه يروقكـم أكثر من أي شيء آخر، إلا أنه –ليس هناك أي سبب علمي– يدعونا لافتراضه من الأصل وحتى هذه اللحظة فإن أدواتنا العقلية تعمل بشكل ممتاز في مدى من الظواهر يتراوح من طول بلانك وحتى حدود الكون المنظور، ومن زمن بلانك وحتى عمر الكون كله، ومن الرقصات الاستعراضية الرائعة لطيور الجنة، وحتى موت النجوم المهيب، «دعوني أقول لكم إنه كان هناك دومًا باحثون عن الظلام عبر تاريخ المعرفة البشرية، كافح هؤلاء جيلًا وراء جيل لاختراع أفق تعسفي لما تمكن معرفته، ونادوا مرة بعد الأخرى بأنهم قد عثروا على ظاهرة ما لن يمكن فهمها أبدًا «حركة الكواكب في مداراتها، بنية النجوم البعيدة، التركيب الذري للمادة، أعضاء الحيوانات الوظيفية، أسرار التنامي الجنيني، وكان الإخفاق مصيرهم كل مرة، فـنور المعرفة النقي كان يشرق في النهاية، طال الزمن أم قصر، مبددًا ظلمة الليل البهيم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد