اعتقدت دومًا أن التطوع عمل دائم بلا انقطاع، وقت تهبه في سبيل غاية تود تحقيقها، أو حاجة في نفس يعقوب تريد قضاءها.

يكمن دور العمل التطوعي في أن يكسبك خبرات جديدة، ويساعدك على تنمية مهاراتك الشخصية في حياتك العلمية والعملية، يزيد فرصك للقبول في منح خاصة، إما بالعمل أو الدراسة أو السفر، لكن أن تجد في التطوع عائلتك الأخرى التي دومًا ما تكونون معًا كالبنيان المرصوص؛ بل كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، أن تجد بينهم راحة ما اعتدتها من قبل في أي عمل آخر، أن تربي فيك هذه العائلة روح التعاون، وتعلمك كيف تتخذ العلم في حياتك سبيلًا.

عائلة لم يكن مبلغهم من العلم فقط؛ بل بلغوا من الأخلاق ما لا يقدر بوقت ولا ثمن، لسان حالهم دومًا «وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا»، إن سألتهم أعطوك، وإن استندت عليهم ما خذلوك، معاملة بالوجه والعمل، لا تجد بينهم غربة ولا وحدة، بل كما قلت هم كالبنيان المرصوص، قلة اليوم من يكونون بمثل هذه الصفات، فإن وجدت عائلة كتلك تمسك بها حد الموت، فربما سيكون من الأفضل لك ألا تهجرها، وإلا قد تندم دهرًا فوق عمرك على ذلك.

وإن سألوك يومًا عن عائلة كتلك، قل سمعت فريقًا يقال له صفوة هندسة. هم وربي اسم على مسمى بحق، هم صفوة طلبة تم اختيارهم ليكونوا عونًا لغيرهم على طلب العلم والمعرفة، يعتمد نجاحهم على تعاونهم، وليس على شخص بعينه، حتى تلك الحدود التي قد يمر عليها البعض مر السحاب هم أقاموها، يستزيدون من العلم كل يوم، يدفعونك لتعلم المزيد، وإن كنت لم تعلم. كثيرًا ما يلتمسون العذر لبعضهم إن يومًا أحدهم اعتذر ما رأيت بينهم سوء ظن ولا ضغينة، حتى التنافس بينهم لأجل الفريق ورفعته، وليس لمجد يطمح إليه أحدهم لنفسه، بل لأنهم يعلمون تمام اليقين أن نجاح العمل متوقف عليهم جميعًا.

تعتبر أسرة الصفوة هي أقدم أسر جامعة الإسكندرية، والتي تعمل منذ 2007، وهي امتداد لبرنامج (LYM) التابع لمكتبة الإسكندرية، وتقوم هذه الأسرة بمساعدة طلبة كلية الهندسة على إيجاد حلول لبعض المشاكل التي تواجههم، مثل بعد الدراسة بالكلية ما الذي سيواجهونه، وتلك المشاكل التى يجب معرفتها عن واقع الحياة العملية، والمساعدة في تطوير الثقافة العلمية التي قد تكون بسيطة لدى كثير من المهندسين.

فتقوم الأسرة بحل هذه المشاكل من خلال برنامجها وأنشطتها المختلفة، مثل تنظيم الندوات والزيارات، وغيرها للمساعدة في نشر العلم بين الطلبة بأبسط الطرق وأسهل الوسائل المتاحة.

وبالرغم من كوني طالبة بكلية أدبية لا يربطني بالهندسة إلا ما قد درسته في المرحلة الثانوية، إلا أنني وجدت منهم قبولًا رائعًا، وحفاوةً ما كنت أتوقعها يومًا من عملي في مكان كل من فيه يدرسون الهندسة، بينما أدرس أنا اللغة العربية؛ بل المفاجأة أنني وجدتهم أشد حبًّا مني للغة، وهذا ما زاد القلب طمأنينة.

قد يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء حين أكتب عن فريقي، ولكن أليس الأمر يستحق أن أفتخر به حد السماء؟ هم صدقوا ما تعاهدوا عليه، أقاموا ما خرجوا لأجله، حملوا الرسالة وكانوا أحق بها وأهلها.

سأظل دومًا أفتخر بوجودي معهم، وسأظل أخبر بهم العالم بكل فخر أنني وإن كنت لا أقدم لهم الكثير كفاني أنني خرجت بعلاقات طيبة وبروح ستظل ترافقني دومًا أينما ذهبت، فقد تعلمت منهم الكثير، وكفى أنني تعلمت منهم حكمة لن أنساها ما حييت «علم علمك، وتعلم علم غيرك، فتكون قد أتقنت علمك، وتعلمت ما لم تكن تعلم».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد