الزواج هو ليس مجرد كلمة مقابلة للعزوبية، إنه يبدأ في عقولنا بمدينة فاضلة، ونحن نعلم أن هذه المدينة الرائعة لن تتحقق بأكملها، ولكننا نطمع في أن تستحوذ حياتنا الزوجية على معظم معالمها؛ لذلك نبحث بكل جَهد عن ذلك الشخص الذي يحترم مشاعرنا، ولا يشوه تلك الصورة الجميلة المرسومة بداخلنا عن الحياة الزوجية الفاضلة، شخص لا يسعى لتحقيق الحب والوئام على فراش الزوجية فقط، بل في كل أرجاء العالم، وفي أصعب المواقف التي يُختبر فيها الرجال أو المخلصون. إنه الزوج الصالح أو الزوجة الصالحة، فكيف نجد ذلك الشخص؟ وما هي ملامحه وصفاته؟

تزوجوا من يشبهونكم

ليس من أحدٍ منا لا يحب أن يلتقي بتلك السندريلا التي فَصَّل فستانها وملامحها وطباعها بحسب ما يتمنى، وكم نكره أن نتورط في هؤلاء الأزواج الغرباء، حيث لا يقدرون مشاعرنا ولا يعبؤون باهتماماتنا ويعتبرونها تفاهات، فجميعنا يبحث عن توأم الروح وروحها الذي يفهمنا من دون كلام، ويحب ما نحب، ويكره ما نكره، ويفكر كما نفكر. إن الحياة مع هذا الشخص هي ضمان حقيقي للسعادة.

ولكن ثمة أمورًا قد تدفعك للتفكير قبل أن ترهق نفسك في البحث عن الشريك المشابه لك، وهي:

أولًا: أن السعادة الحقيقية لا تخرج من التشابه

حيث إن التشابه بين الزوجين إنما يدل على سعادة تلقائية غير مقصودة، أقصد أنني أحب ما تحبه هي، ليس لأنها تحبه، فأنا لم أحبب هذا الشيء لأجلها، لم أجتهد لأجلها، ولكنَّ كلينا يحب هذا الشيء منذ البداية. بل إن السعادة الحقيقية في أن أقوم بتناول طبق الفاصوليا الخضراء إلى آخره رغم أني لا أفضله كثيرًا، ولكنني أعلم أنها تحبه، ويقول الآخرون إنها أفضل من يقوم بعمله، فلا ينبغي أن أقتل شيئًا هي تفضله. إنني في الأساس أحبها هي، لذلك أحب ما تحبه، وليس كلانا يحب نفس الشيء فالتقينا سويًا في محبته، فتحققت السعادة. بل من المستحيل أن يسير كلا الطرفين على خطىً واحدة في كل شيء، وبالتالي قد يختلفان في أمر ما ليس بينهما فيه تشابه، فقد تكون الصدمة في تلك الحياة الوردية الممتلئة بالمرايا، حيث كل شيء فيها يشبه كل شيء، فكيف يتفاديان الوقوع في المشكلات وقتئذ؟

قالت السيدة عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى، قالت: فقلت ومن أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت لا ورب إبراهيم، قالت: قلت أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك.

وأرجو ألا تعتبر استعانتي بحديث نبوي دلالة على نوع من الدعاية للإسلاميين، إنني فقط أتحدث عن موقف بين زوج وزوجته، ولكنهما أيضًا يقتدي بهما المتدينون أو المسلمون جميعًا. كما أن هذا هو حل الاختلاف الواقع بين الزوجين لا محالة، وهو أن يتلمس كلا الطرفين آثار ما يحبه الآخر أو ما يكرهه، ويتذكره دائمًا فيكرره أو يتحاشاه أو على الأقل يقلل منه إن كان طبعًا متأصلًا فيه، ونحن جميعًا نقدر من يجاهد نفسه لأجل إسعادنا ونرد إحسانه بإحسان منا، تلك هي السعادة الحقيقية لا السعادة التلقائية الناتجة عن التشابه.

ثانيًا: وكيف أعرف من يشبهني؟

من الصعب أن أعرف أن هذا الشخص يشبهني في فترة التعارف (الخطوبة) مهما طالت، ففي هذه الفترة يتصرف كل طرف وكأن إحدى الكاميرات تراقبه، وبالتالي فعليه أن يظهر في صورة مثالية أمام العالم. إنه ليس نفاقًا، ولكنه نوع من التجمل يكون في حالات معينة، مثل حالة الموظف الجديد في العمل، أو عند ضيوف البرامج التلفزيونية، وبالتالي تكون الصورة ضبابية في هذه الفترة، ومن الصعب تحديد نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف بدقة. إن معرفة مقدار تطابق شريكي لي لا يتم إلا بعد الزواج بفترة ليست بالقليلة، حيث تتساقط أقنعة التجمل، فيظهر الجانب الجميل والجانب القبيح، وبالتالي فهذا المعيار يحتاج إلى وقت طويل لإثبات تحققه، وهذا لا يتناسب مع مدة فترة التعارف.

ثالثًا: لا تهتم كثيرًا بالتشابه فالاختلاف رحمة

رغم كل هذا، فأنا لا أرفض الرغبة في التشابه مع شريك الحياة، ولكنني أجعله المعيار الأخير الذي يجب أن تسبقه ضمانات أخرى للسعادة الزوجية سنتحدث عنها لاحقًا ليس الآن (وهي التدين والأخلاق)، لكن حتى إذا وقع الاختلاف في عدة أمور بين الزوجين فلا داعيَ للقلق، فالاختلاف رحمة كما قيل (ولكنه ليس حديثًا نبويًا)، والاختلاف لا يعني أبدًا الخلاف شرط وجود ضمانات تحفظ الفرق بينهما.

فخير للزوج الانطوائي أن يتزوج بامرأة اجتماعية تجذبه للناس وتدفعه إلى المجتمع وزحامه بعد إعراضه عنه، أو أن تربي أولادهما على الطابع الاجتماعي، وهي على كل حال تعددية محمودة، فلكل من الصفتين مزاياها وعيوبها. وكذلك الاختلاف في التخصصات يثري الخبرة في البيت بشكل كبير، حيث يطَّلع كلا الطرفين على تخصص الآخر، وكذلك يكتسب الأبناء المزيد من الخبرة من أبويهما. وعلى كل حال لسنا بحاجة إلى الارتباط بمن يماثلنا في تخصصاتنا، فنحن لن نعيش في فصل أو مختبر أو حجرة اجتماعات حتى نختار مساعدين أكفاء، بل في بيت يحتاج فقط إلى أزواج مخلصين دون النظر إلى تخصصاتهم.

إذًا ما الذي تحتاجه حقًا من شريك حياتك؟

قبل شروعي في كتابة هذا المقال، قمت بطرح سؤالٍ على أصدقائي المتزوجين وهو: ما هو أساس السعادة الزوجية؟ وكانت إجاباتهم كالآتي:

  • «التفاهم يعد من أساسيات السعادة الزوجية، ويعني أن يفهم كل طرف ما يحبه الآخر وما يبغضه، حتى يفعله أو يتحاشاه».
  • «الاختلاف من طبيعة البشر، فمن الطبيعي أن نختلف، لذا على كلٍ من الطرفين أن يقدم بعض التنازلات في حال وقوع اختلاف».
  • «الثقة هي الأساس؛ لأنها إن غابت غاب معها كل شيء، ولن يغني عنها أي شيء آخر».
  • «وكذلك الإخلاص، المصارحة، والحوار، الوعي بالمسئوليات، والتكافؤ الفكري».

ترى أن معظم هذه الصفات التي ترفع أسس كل بيت هي صفات أخلاقية، وبعضها له علاقة بسعة التفكير واستنارة العقل في مقابل الطفولية والعناد الساذج. حتى إذا تصفحت المواقع المختصة بالمشكلات الزوجية تجد أن معظم تلك المشكلات قائم على فساد الأخلاق، وتلك هي أم المشكلات في الحياة الزوجية. فما الحل إذًا؟

اظفر بذات الدين

بدءًا لا تجعل أي متطرف يضع صورة تدين مشوه في رأسك، بل أقدم لك نصيحة: إذا أردت أن تعرف التدين فاذهب إلى مكة وقتما ظهر نبي جديد، ثم بعدها انتقل معه إلى المدينة، ولازمه دائمًا لتعرف منه كيف يكون الدين، وكيف يعيش الأزواج مع الزوجات بسعادة. ولقد ذكرت موقفًا للنبي مع زوجته عائشة، وثمة العديد من المواقف التي يمازح فيها النبي زوجته ويدللها ويسابقها، وهكذا يكون الزوج المتدين وزوجته، فيقول النبي لأحد أصحابه عن الزوجة البكر«هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ»، هكذا يضع النبي معايير أخرى للزوجة، ولكنها معايير فرعية (كما التشابه معيار فرعي أيضًا).

ونتيجة ذلك أصل السعادة الزوجية هو الأخلاق (كالأخلاق التي وردت على لسان الأزواج في المقال)، وكذلك الدين الذي يعزز تلك الأخلاق ويزودها بمزيد من المبادئ الطيبة، وهي كل ما يحتاجه الأزواج حقًا. فدائمًا مع الخطأ لديك فرصة جديدة للاعتذار عن كذبك أو أنانيتك؛ لأنك تعيش مع زوجة متسامحة، ومع الاختلاف لا تخافين من الضرب أو الإهانة؛ فزوجك وإن كان عصبيًّا فهو رحيم يأخذه الرفق بالقوارير، وبعد خمسين عامًا من الزواج عندما تتغير الملامح وتطير المحاسن، يبقى الوفاء والإخلاص وقودًا للحب. هذا بالإضافة إلى الأبناء الذين يقوم مستقبلهم على التربية السليمة، فهل تخرج التربية السليمة عن الأخلاق الحسنة وعن التمسك الصادق بالدين وتعاليمه؟

لذلك أمر النبي بالتمسك بالدين معيارًا للزواج عند الطرفين، فقال عن الرجل «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، وقال عن المرأة «تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». فزوجوا من ترضون دينه وخلقه بذات الدين، تظفروا بأُسر سعيدة وأجيال قوية.

———————————–

الصورة بريشة الفنان: عمر عبد الحي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نظفر
عرض التعليقات
تحميل المزيد