دائمًا أردد اهدنا الصراط المستقيم! وعلى الرغم من ذلك، لماذا لا أتغير؟ بصوت متحشرج فيه خشوع يعطي عظة، يوقظ قلبًا، يحيي شعبًا، بعدها شعرت بأن الفترات كفيلة لتغيير الأفكار ونموها، وأن استنباط المقاصد من بين السطور أفضل من جملتها في التقبل المجتمعي؛ لأنها تحمل مضمون الرسالة، ولب الثمرة دون معاناة في فهم قشورها، وذلك كفيلٌ بتغيير جيل بأسره، وإخراجه من غياهب الضلال، إلى نور الإيمان، «نعم أتغير» كان يقصدها بمضمونها بما تحمله من معاني التطور، والتقدم، والفهم العميق للمادة، والعقل، والاجتماع، والطاعة، والعصيان.

تقف الأمة العربية والإسلامية، اليوم على حافة دحض مزلة؛ فمن الناس من يثبت على عثراتها، ومنهم من تزل قدمه، وما أكثر الزلل فيهم ولو حرصت، ويأتيك نبأ الثابتين في الأرض في قوله جل وعلا: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173) ليخبرك بأن العاملين من أبناء هذه الأمة لا يضرهم من خذلهم، ولا ما أصابهم من لأواء في إعلاء كلمة الحق، بزمن عز فيه جهاد الكلمة عند راع جائر.

قد يظن الناظر في الساحة السعودية أن سبب اعتقال العلامة «سلمان العودة»، وغيره من علماء المسلمين ما كانت إلا بموجب دعوة تأليف، أو تغريدة نصح، أو خطبة زل بها فتحركت مشاعره، وفاضت عيناه فتكلم بما يرضي ربه، إلا أن الأمر أكبر من أن يعلق على هذه الأسباب؛ فإن الحملة التي شنتها السلطات السعودية ضد قادة الرأي، ما هي إلا حرب ضروس شعواء على الفكر السليم، والمنهج الوسطي القويم؛ الذي ما لو أتيحت له السبل ستضمحل على بواعثه السمحة، تلك المناهج المهلكة التي مكثوا عقودًا في إشاعتها، وإظهارها بأنها هي المنهجية المورثة بحق، وما سواها باطل من خلال استمالة المسلمين بالصبغة السلفية التي تطغى على خطاباتهم، ومعاملاتهم، فأخذوا منها ما يستقطبون به بسطاء هذه الأمة، وتركوا ما يخالف أهواء ساستهم، فكيف لهم أن يمكّنوا ذلك النهج في وسط دولة تضج بعلماء ربانيين درسوا شرع الله فتلعموا من سلفهم أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؟ وحينما سمعوا استعانة ساستهم بأمريكا لدخول العراق اشرأبت أعناقهم، وذهبوا معارضين ناصحين فما كان جزاؤهم إلا أن مُنعوا من الخطابة، وصُدرت أشرطتهم، وزج بهم في السجون غير أنهم نشروا تعميمًا من أبواقهم بحرمة الاستماع لمحاضراتهم.

رؤية قد لا تغتفر

«نُشر فيديو للداعية «سلمان العودة« يتحدث فيه عن رؤية، جالس بها النبي -صلى الله عليه وسلم- فطلب النبي -عليه الصلاة والسلام- منه أن يقيم مكانًا للاجتماع فيه، فقال له: يا رسول الله إن الظروف ليست مواتية، وهناك اشتطاط أمني، فرد عليه النبي قائلًا: بأنهم سمحوا «لفلان»، فقال يا رسول الله: هذا «فلان» منهم وفيهم».

وهذا وإن كان في حلمه، إلا أنه فيه إثبات للفساد القائم، وتأليبُ للمجتمع على الحاكم، وإثارة للقلاقل، دعونا من الرؤية ولنتمعن بالتهم التي تعد تلفيقًا من وجهة نظر الشارع، إلا أنها من وجهة نظر السلطات صحيحة، فالفكر بحد ذاته يشكل خطرًا على وجود الفساد وهو قائم يصول ويجول في رحاب البلدان العربية، فالذي يسطر في قاموس حياته أن القضية الأولى التي لا تراجع عنده فيها ولا استسلام، هي تحرير الأراضي الفلسطينية بعاصمتها الأبدية القدس المحتلة، لا بد له أن يألب المجتمع على الظالم؛ حتى تتوحد الصفوف لرد الحق المسلوب، والذي يدعو لتأليف القلوب بين الشعوب، لا بد له أن يثير القلاقل على الذين يسعون لنشر الفرقة بين أبناء اللغة الواحدة، والوطن الواحد، والذي يسعى لتأليف الشعوب، وتحرير الأوطان، ورد العدوان، ونشر التوعية الإسلامية الصحيحة، لا بد أن يكون من المفسدين في الأرض؛ وذلك استنادًا لنصوص كتاب «درب العاملين في إهلاك المصلحين» للعلامة الفهامة لسان عصره وحجة زمانه «أفخاي أدرعي».

أكمل الحكاية

السلام عليك شيخنا في زنزانتك، لا تجد من تسأله من أي اتجاه تشرق الشمس، لم أر أن السجن يحول بينك، وبين متابعيك، وتلامذتك، ومحبيك سنظل نسمعك، سنظل ننتظر خروجك، سنقرأ كتبك، سنلخص دروسك، سنكتب لك وعنك، لم تنتهِ الحكاية غدًا ستشرق الشمس من مكان ما، فحتمًا إن الليل زائل، وغرفة التوقيف لن تبقى، ولا زرد السلاسل.

أنا آسف

وأما أنا؛ فأنا آسف، آسف لكل أسير اعتقل دفاعًا عن أرضه، أو حقه، أو قال مقالة لا يزال يتشدق بها الكثير من أبناء عصره، ولم أستطع إلا أن أقدم له دعوة مع شروق الشمس أو غروبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك