«الأشباه» ذلك المصطلح يصرف أذهان المثقفين لكتاب الأشباه والنظائر في النحو العربي للسيوطي أو الأشباه والنظائر في الفقه لتاج الدين السبكي أو كتاب الأشباه والنظائر في الفقه لابن نجيم. ولكن حين تقرأ ذلك المصطلح في السياسة تنصرف الأذهان لأشياء أخرى، «نحن لسنا دولة حقيقية، نحن أشباه دولة» بتلك الكلمات في الخامس من مايو 2016، عبر عبد الفتاح السيسي عن حقيقة ينكرها كبرياؤنا، لكنها في الحقيقة تعبر عن جزء بسيط من الصورة الكاملة. فنحن شبه دولة في شبه وطن عربي إسلامي يحكمه أشباه رؤساء وأمراء وملوك و يحميه أشباه جيوش. نعيش كأشباه إنسان وأشباه مواطنين في دولة تضم أشباه مؤسسات وأشباه أحزاب. نعتنق أشباه أديان ونسلم عقولنا لأشباه علماء وأشباه مشايخ وأشباه نخبة ومثقفين ومتعلمين. فكما نعتبر نحن أن الفيس بوك عالم افتراضي للمثالية، فنحن بالنسبة لقارات العالم الست عالم افتراضي للبدائية.

فعلى الصعيد التعليمي نحاول جاهدين أن نصل إلى درجة لا بأس بها من التعليم المعرفي ولكننا بعيدون كل البعد عن تحقيق الحد الأدنى من التعليم الوجداني والمهاري. انفصام تام بين منتجات التعليم البشرية وبين توظيفها وتسويقها. انفصام كبير بين المعرفة النظرية وميدان العمل. التعليم القيمي عندنا يعتبر مفهومًا غامضا؛ فالمتعلم بعد قطع نصف حياته في التعليم ليس في إمكانه استخدام المنطق العلمي والإنساني في التفكير، لا يمتلك أدوات التمييز بين الحق والباطل والخير والشر فضلا عن التمييز بين أحق الحقين وأبطل الباطلين، انتقل التعليم من غايته القيمية إلى غاية المكانة الاجتماعية والعمل المهني. مفاهيم التربية المستدامة والتعلم الذاتي لازالت مفاهيم يتم النظر إليها من قبل المتعلمين إلى مصطلحات نظرية لا جدوى منها. وإن كان هذا هو حال التعليم فهو شبه تعليم وروافده أشباه متعلمين.

شبه التعليم الذي أنتج أشباه متعلمين، أخرج لنا دعاة ووعاظًا ومشايخ يدورون في دائرة مغلقة من التكرار والعيش في كتب التراث داعين للعودة إلى الخلف مكيفين للناس مع الواقع ومبتعدين بهم عن قضايا الفكر والسياسة والعلم ومحاور النهضة الإسلامية في مسيرة المجتمعات. غارقين في الأحاديث الضعيفة والقصص والخرافات والأساطير، استحسنوا ثوب العلماء الذين ألبسهم الناس إياه، وغرتهم الحرية المشروطة التي فرضتها عليهم وسائل الإعلام. يتصدرون موكب الشهرة ويتذيلون موكب قول الحق في زمن احتدام الصراعات.

علماء لم يكونوا يومًا على مستوى الحدث، لم يتقدموا بالأمة على الصعيد العلمي التخصصي خطوة إلى الأمام. لا زالوا عاكفين على تأصيل التراث كخطوة نهائية في سلسلة تطور العلوم. لم نعد نرى تلك الصورة للعالم الأممي الذي يجمع بين علم الدين وفروض الأعيان في علوم الدنيا. علماء متخصصون في فرع من فروع الشرع لم يحققوا درجة النجاح فيه فضلا عن أن يفرض نفسه على الساحة كمؤثر في اتخاذ القرار المحلي والإقليمي. ولكن ما هذا العالم الذي لا تهتز لذكره إلا لحى الإخوة في المساجد! أين العالم الذي تهتز لذكره عقول العباد وجنبات البلاد! حتى علماء الكيمياء والفيزياء والأدب والاقتصاد لم يكونوا أفضل حالا من علماء الفقه والعقيدة، علماء لا يمكن التعويل عليهم في تحريك وتوجيه الشعوب نحو نهضة رائدة.

إن كان هذا حال الوعاظ والعلماء فليس من الغريب أن نعتنق أشباه أديان يأباها كل عقل قويم ولا تستسيغها كل فطرة سليمة. أديان ترسم لنا غايات وتحركها على أرض الواقع ينبئ بغاية مختلفة تمامًا. فكل التصورات عن الدين الحق تفوح منها رائحة التناقض وتأبى أن تتسق مع العقل وقوانين المنطق والبرهان العلمي الثابت. أديان لم ير البشر منها غير الاحتراب وسفك الدماء، ولم تجن منها البشرية سوى ويلات التعصب المسلح والتفاضل الطائفي. في الدين الحق إله وفي أديانكم إله آخر. في الدين الحق حياة وفي أديانكم حياة أخرى! أنا لست ملحدا بالدين الحق الذي أراد الله لعباده اعتناقه، بل ملحدا بتصوراتكم عن الدين الحق.

وعلى الصعيد العسكري، فالمؤسسات العسكرية تتغلغل في مفاصل الدولة من مؤسسة رئاستها حتى مجالس قراها المحلية. عقيدة المؤسسة العسكرية الكامنة سواء بنتها ذاتيًا أو تم إملاؤها من الخارج بأن الدولة يجب أن تبقى قريبة المنال أو تحت يد القوات المسلحة، لقد انتقلت العقيدة من حماية الحدود والشعوب العربية الاسلامية لحماية المصالح العسكرية الداخلية والخارجية، ذلك فضلا عن قدراتها التي لم تعد تظهر سوى أمام بعض المسلحين، فهل ستكون تلك المزاعم حقيقية عند مواجهتها لجيش آخر!

شبه متعلم مع شبه عالم مع شبه دين مع شبه جيوش ومؤسسات دينية واجتماعية وسياسية لا تراعي حقا ولا تقف في وجه باطل. تحولت عن الغاية التي تم إنشاؤها من أجله إلى غايات شخصية وجزئية وديكورية – بإرادتها أحيانًا ومستغلة جبرا في أحيان أخرى – ليصبح من السهل أن يأتي ملك أو رئيس أو حاكم يرى نفسه خليفة الله في الأرض، ليصبح المواطنون حفنة من البشر من ذرية آدم يعيشون في مركز الكرة الأرضية يحكمهم أشباه ملوك ورؤساء ويحميهم أشباه جيوش ويعتنقون أشباه أديان اختلقتها عقول أشباه علماء ومشايخ ومثقفون، فلا حق لهم سوى الحق في الحياة. لا حق في كرامة ولا حرية ولا عدالة. ليسوا أحرارًا في اختيار من يحكمهم ولا من يمثلهم أو يرسم لهم خريطة مستقبل وطنهم. الحصول على المقومات الأساسية للحياة بالنسبة لهم هي بالنسبة لهم رفاهية وعيش رغيد سيسألون عنه يوم القيامة. ففواتير المياة والكهرباء أغلى من دمائهم، وحيطان السجون أهم من حيطان المستشفيات والمدارس، والأيام المعدودة في أعمار العجائز من الوزراء والمسؤولين تتغذى على أعمار ومستقبل الشباب في السجون.

الأشباهية نصف الداء ولكن اعتقاد الوجود الحقيقي المطلق في كماله هو الداء كله. فشبه الدولة ترى نفسها أم الدنيا، وشبه الوطن العربي يرى نفسه قطعة من الأرض قدسها الله، وأشباه الحكام يرون أنفسهم خلفاء الله على خلقه، وأشباه العلماء يرون أنفسهم رموز العلم في أرض الجهل، ومشايخ ووعاظ يعتقدون الفوز بالجنة بأشباه أديان، ومواطنون يعتقدون أنهم يعيشون حياة الإنسان.

لاشك أن الأمور مهما اشتد سوادها فهناك فرصة لتخفيف السواد أن لم نستطع إزالته. إن الأمر يقع برمته على عاتق المنعتقين من الأشباهية. على عاتق هذا العالم الحقيقي والشيخ الحقيقي والمواطن الحقيقي والإنسان الحقيقي والتصور الحقيقي. اجتماع رموز الوجود الحقيقي على مستوى العالم في عالم حقيقي أو افتراضي هو سبيل من سبل إحداث تغيير حقيقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد