جاءتني زميلة لي تبكي بحرقة كما لم أرها من قبل، تقول لم يخطر ببالي أن يفعلوا بي كذا أبدًا. لماذا أنا؟ تعاملهم سيئ جدًّا معًا. ألا يخشون خسارتي؟ أنا أحبهم لماذا لا يحبونني؟ أكملت بضعة شهقات باكية وطلبت مني ضمة صغيرة. ذكرتني بنفسي منذ سنوات فضحكت في قلبي كي لا أشعرها بالمهانة.

سألتها قليلاً عما حصل معها؛ فيبدو أنها بحاجة إلى الفضفضة. ثم بعد أن تكلمت واستمعت لها قلت: هذه أول قاعدة تتعلمينها في معاشرة الناس. كل منهم لديه شيء يقوله، ولكي تنجحي في عالم العلاقات عليك أن تساعدي كل شخص بالتكلم بما يريده، وأن تتركي له المجال كاملاً، وتعطيه المساحة من الوقت والاهتمام عندما يبدأ بالتحدث.

قالت لي: وهل هناك قواعد في التعامل مع الناس ثابتة ولا تتغير؟

أجبتها بأن هناك نمطًا يمكنك إيجاده لدى الجميع تقريبًا، وقد وقفت مكانك هذا منذ بضعة سنوات، وتوصلت لبضعة نتائج بعد ألم شديد، فدعيني أخفف عنك وأخبرك بما تعلمته لأوفر عليك مسافة الطريق القادم.

ثاني نقطة، وهي مهمة جدًا، هي ألا تبدئي أبدًا من نقطة افتراضية. إن كل عملية اتصال بين اثنين تبدأ من نقطة ويتم رسم صورة العلاقة من تلك النقطة. ألا تحتاجين لنقطة لترسمي مثلثًا ولترسمي عمارة في دراستك الهندسية؟ فأجابتني بنعم. قلت: وهكذا التعامل مع الناس يحتاج نقطة ارتكاز، فلا تفترض أبدًا أن النقطة التي يبدأ منها الآخر صادقة؛ لأن المنظور في الرسم يمكن أن يبدأ من أي نقطة في مساحة حرة وفارغة بين أي اثنين. ابدئي بتشكيك كل قناعاتك حول الآخر، فلا تصديقهم فيما يقولون، ولا تخبريهم طبعًا أنك لا تصدقينهم كي لا تلحقك صفة الشك، بينما لا تلحق أحدهم صفة الكذب أبدًا، وبهذا تخسرين الجولة الأولى.

ثالثًا إياك أن تطلبي المساعدة من أحدهم قدر المستطاع، وتعلمي فن الاعتماد على نفسك في كل شيء. من الذكاء العاطفي طبعًا أنه كلما طلب منك شخص ما شيئًا أن تطلبي منه شيئًا آخر، وهنا أنصحك بأن تطلبي أمرًا مهمًا جدًا جدًاجدًا مرة واحدة فقط. فإن أجابك إليه يمكنك بناء نقطة اتصال وثقة مع هذا الشخص، وما سوى ذلك تعلمي ألا تبني نقطة تعتمدين بها على الآخر.

قالت لي زميلتي: ولكن ألا يستحق الآخرون عدة فرص؟ ابتسمت وضحكت ضحكة خفيفة وقلت لها: تذكريني بنفسي. لربما كلامك صحيح نظريًا، لكن في الواقع ستجدين أن الصفعة مؤلمة حين تتعلمين معنى الخذلان. أنصحك ألا تعطي لأي كان فرصة إلا إن كنت تحبين ذلك الشخص بعنف، أي أنك متمسكة بوجود شخص أو اثنين في حياتك.

رابعًا: قولي كلمة شكرًا باستمرار ومن فضلك ولو سمحت وعذرًا وهل ممكن وعن إذنك وهذا ممتاز وهذا رائع وهذا جيد وهذا ظريف وأنت مميز وأنت رائعة وأنت كذا . يعني قولي كلمات طيبة لمراعاة الجانب النفسي للآخر. سألتني إن كان هذا يعبر عن حب الشخص للآخر وماذا لو أنه لا يستحق هذه العبارات؟ قلت: الحقيقة أن بناء العلاقات لا يقوم على الكلمات فقط، وأن كثيرًا ممن نتعامل معهم لا يستحقون ما نقول لهم؛ بمعنى أننا لا نريدهم بقلوبنا ولكن معاشرة الناس تحتم استخدام جعبة كلمات معينة. كيف هو شعورك حين تقول لك إحداهن أنك لئيمة أو تسب عليك؟ قالت: لا أستطيع الرد عليها وأنصدم. قلت: بالضبط وكي لا تصلي لهذه المرحلة ضعي مع الآخر حواجز أدبية كلامية تخبرينه بها ما تودين سماعه. قالت: ولكن كيف أصدق إذن ما يقال لي من مديح؟ قلت: انتبهي لقد قلنا من قبل ألا تصدقي كل ما تسمعينه، ونصف الكلام عبارة عن مجاملة، وأنا شخصيًا أبتسم لمن يقول لي كلمة مديح وأتذكر جيدًا موقفًا حصل لي، حيث كانت إحداهن تتكلم من وراء ظهري بسوء عني وسمعتها صدفة ثم بعد ذلك أمامي تتكلم عني بمديح، ولولا أني سمعتها من قبل كدت أن أصدقه.

خامسًا: من المهم جدًا أن تعملي عقلك في التعامل مع الناس؛ أي ألا ترى الإيجابيات فقط، بل ترى السلبيات، ولا تغشي عينيك عن الواقع. هذا طبعًا يساعدك في مقارنة السلوكيات وتفهم الآخرين ومواقفهم وذلك كي تحسني التعامل معهم وتطوري مهاراتك الاجتماعية. حاولي أن تجدي المساحات الناقصة كي تضيفي إليها؛ فمثلاً حين تدخلين منزل صديقتك، ومن بعدها تكون هناك مناسبة في بيتها ولا بد أن تحضري لها هدية فكيف تختارين هذه الهدية؟ قالت: أحضر لها شيئًا تحبه. قلت: نعم هذا ممكن، ويمكنك أيضًا أن تضيفي لحياتها ما ليس لديها من التفاصيل. فمثلاً إن كان عندها زاوية فارغة في الغرفة، فإن نبتة جميلة تضفي رونقًا إليها، بينما لا تستفيد هي من كنزة قطنية لديها عشرة مثلها في خزانتها وإن كانت تحبها، فإنها لن تستعملها بالكاد سوى مرة. أريد أن أقول لك أن تحاولي معرفة الناقص في حياة الآخر، ومنه تستطيعين خدمة الآخر وتقديم المساعدة والإضافة له، وهذا يعني طبعًا أن تكون لديك عين متفحصة وملاحظة وناقدة وليست منتقدة.

سادسًا: لا تعارضي الآخرين وآرائهم أبدًا؛ لأن الناس بمجملهم يميلون بشكل تلقائي لمن يشابههم، وهو طريق أقصر لقلوب الآخرين عادة، وهذا يعلمك طبعًا أن الآخرين أيضًا حين لا يعارضونك ليس بالضرورة أن آراءهم متفقة معك. هنا أشجعك على أن تدخلي في حوار مع الآخرين كثيرًا، بل ركزي على نقاط الالتقاء وابدئي منها علاقاتك. إن كنتي تجدين أن الآخر يحب ارتياد مقهى معين وأنت تحبين ذلك فكري باستخدام هذه النقطة المشتركة بينكما.

قالت لي: أتعلمين لقد قالت لي جدتي مرة نقطتين من هذا ونصحتني بهما، ولكني ظننت أنها دقة قديمة كما يقال، أو أن ما تقوله لا يصلح في زمننا ولجيلنا، ولكني أدركت الآن ما تقوله لي بعد أن تلقيت صفعة مؤلمة. قلت لها: هذا يعيدنا إلى النقطة الأولى. لا تبدئي أبدًا من افتراض حول الآخر وحول ما يقوله ولا تتركي الأدلة التي ترينها بعينيك المجردة تخفي عنك حقيقة وجود جراثيم تحت الجلد، فعروق جسمنا كما ترين بطبيعة خلقتها مغطاة ومستورة بالجلد، وكذلك الناس لا ينبغي أن نرى منهم صورهم وألوانهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد