في صبيحة يوم الاثنين 29 يناير (كانون الثاني) من العام 1979 في ولاية كاليفورنيا وتحديدًا في مدينة سان دييغو وكأي يوم عادي من بداية أي أسبوع الكل متجه إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم، إلا أن هذا اليوم بالتأكيد لم يكن عاديا بالنسبة لابنة الستة عشر عامًا بيرندا سبنسر الذي اختارته لتنفيذ ما خططت له من فترة، في صبيحة ذلك اليوم استيقظت بيرندا سبنسر، توجهت إلى الغرفة التي يحتفظ والدها بها في بندقية الصيد الخاصة به، قامت بملء خزان البندقية، وصعدت إلى أعلى سطح المنزل، ووجهت البندقية، وحددت هدفها إلى مدرستها الثانوية، ودون أي استهداف لأي شخص بدأت بإطلاق النار باتجاه بوابة المدرسة فأصابت ثمانية من طلاب المدرسة، حارس المدرسة برتون راغ (53 عامًا)، أحد الحراس الآخرين أثناء محاولته لسحب أحد الطلاب بالإضافة إلى إصابتها أحد ضباط الشرطة والذي لبى طلب المساعدة. بعد تحديد مصدر إطلاق النار توجهات قوات شرطة سان دييغو إلى منزلها وحاصرته، وطلبت منها الاستسلام دون أي جدوى، وحصل تبادل لإطلاق النار بين الطرفين، وأثناء الحصار لمنزلها تواصل معها هاتفيًا أحد الصحافيين، وسألها عن سبب قيامهم بإطلاق النار، فأجابت ببساطة بأنها تكره يوم الاثنين.

المهم بعد حصار استمر لمدة سبع ساعات استسلمت بيرندا، لتتم محاكمته والحكم عليها بالسجن مدة 25 عامًا، وبالرغم من مطالبتها المتكررة بالعفو، إلا أنه لم يتم الاستجابة إلى أي من هذه الطلبات.

لكن فعلًا هل الموضوع هو مجرد كره عادي لبداية الأسبوع؟ بالطبع لا، فأي حدث ضخم ومفاجئ يحدث نتيجة عدة تراكمات قد لا تبدو هامة في حينها، إلا أنها تؤدي الانفجار، وكما يقال معظم النار من مستصغر الشرر، وعلى كل هذه ليست الحالة بالنسبة لبيرندا.

فبريندا المولدة في 3 أبريل (نيسان) من العام 1962 لأب مدمن على الخمور، فاشل في حياته العملية، أدى إلى هروب زوجته من المنزل، وقيام والدها لاحقًا باغتصابها بشكل متكرر، كل هذا أدى إلى وجود شخصية منطوية مدرسيًا، نحيلة جسديًا وتتعرض إلى التنمر بشكل متكرر من زملاء الدراسة، ومن أحد المدرسين، والذي سجل أنه كان يسألها بشكل متكرر أمام الجميع، وأثناء الحصة الدراسية إن كانت مستيقظة أو نائمة أثناء الدرس! وبالرغم من كل التقارير الطبية وتقارير الأخصائية المجتمعية عن حالتها النفسية وضروة عالجها إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء فعليًا.

الحادثة السابقة تذكرتها بعد حادثة فتى الزرقاء في الأردن، والذي قام أحد المسجلين الخطرين، ولقبه «علي الزنخ» في ظهر يوم الثلاثاء 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، ومع بعض رفاقه باختطافه والتوجه به إلى منطقة شبه معزولة، ليقوم هو وعصابته بقطع يديه، وفقع إحدى عينيه، انتقامًا من والده.

وهذه ليست حادثة الاعتداء الأولى التي يقوم بها هذا الشخص، فبحسب التقارير الصحافية فإن هذا المجرم مسجل بحقه أكثر من 170 قيدًا، ومع ذلك لم يتخذ أي إجراء بحقه، وترك يتجول في الشوارع بشكل عادي، ونتيجة عدم معالجة هذه الظواهر من جذورها، لا تتحول السجون فعليًا إلى مراكز إصلاح وتأهيل، بل تصبح نقطة التقاء، وتبادل خبرات، ونجد أن هؤلاء ونتيجة وجودهم في السجون، وتكرار الدخول والخروج يتحولون إلى خبراء بالقوانين، فحكم إحداث العاهة مثل ما حدث لفتى الزرقاء هو 10 سنوات.

على الأغلب فإن مرتكبي هذه الجرائم هم ضحايا لعنف أسري ومجتمعي، واهمًا الدولة بأجهزتها المختلفة لهذه الحالات، وعدم وجود تفعيل حقيقي لدور الأخصائيين الاجتماعيين ومؤسسات مثل حماية الأسرة وغيرها، وبعدها يترك هؤلاء دون عقاب حقيقي، والحقيقة أن المطالبين بتطبيق القوانين بحرفيتها مع مثل هذه الشخصيات المدمرة والمريضة لهو ضرب من الخيال، بل إجرام حقيقي بحق هذا المجتمع من قبل المسؤولين عن حمايته، ولنا العبرة في القضاء الأمريكي، وكيف تعامل مع بريندا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد