ربما لاحظت أن هناك شركات كثيرة في العالم الغربي تحمل المختصرات “L-PLC, LLC Ltd, etc” حرف الـ “L” في تلك المختصرات يمثل كلمة “محدود/ة-Limited ” وتلك الكلمة عادةً تكون في كلمة “شركات ذات مسؤولية محدودة، شركة مساهمة عامة محدودة”. تلك الشركات تعني أن أي أحد يستثمر مبلغ معين في تلك الشركة، لا يخسر سوى الذي استثمره، إن أفلست الشركة. قبل تلك الشركات، كانت الشركة والفرد نفس الشيء لا فرق بينهما. إن مات الفرد، ماتت الشركة. وإن أفلست الشركة، أفلس الفرد.

ولكن من الأشياء التي لا يدركها الكثير من الناس أن وجود تلك النوعية من الشركات هو ما جعل “الرأسمالية” الحديثة تنجح. اليوم، يأخذ الكثير من الناس هذا الشكل من تنظيم المشاريع التجارية كأمر من المسلمات، لكن في القرن التاسع عشر كان الوضع مختلفًا جدًا.

قبل ابتكار وإنشاء تلك النوعية من الشركات (شركات مساهمة، شركات ذات مسؤولية محدودة) في القرن السادس عشر الأوروبي كان يجب على رواد الأعمال ورجال الأعمال أن يخاطروا بكل ما يملكون من أجل إنشاء شركة أو مشروع. عندما أقول كل شيء أعني كل شيء، بما فيها حريتهم. أظن إنه كان من المعجزات أن يبدأ أحد مشروع أو شركة في هذا الوقت.

للأسف، حتى بعد ابتكار تلك النوعية من الشركات (ذات المسؤولية المحدودة)، كان من الصعب إنشاء هذه الشركات حتى نصف القرن التاسع عشر- كان أي مستثمر أو رجل أعمال بحاجة إلى ميثاق ملكي من أجل إنشاء شركة ذات مسؤولية محدودة. كان يعتقد المستثمرون أن المديرين الذين لا يملكون جزءًا كبيرًا من الشركة أقل يقظة وأكثر مخاطرة، لأن جزءًا كبيرًا من رأس المال ليس ملكًا لهم. لذلك السبب الرئيسي، عارض آدم سميث “الأب الروحي للرأسمالية” تلك النوعية من الشركات “ذات مسؤولية محدودة”.

كان له مقولة شهيرة يقول فيها إن مديري الشركات المساهمة كونهم مديرين لاستثمارات ليست ملكًا لهم، يقلل من اهتمامهم بتلك الأموال والاستثمارات، وهي ليست بنفس اهتمام أصحاب الشركات القائمة على “الشراكة” لأن كل شريك سيكون أكثر حرصًا على ماله.

وبالتالي، منحت الدول المتأثرة “بالأب الروحي للرأسمالية”، الشركات ذات مسؤولية محدودة فقط للمشاريع الكبيرة للغاية ومحفوفة بالمخاطر، والتي اعتبرت من أجل المصلحة الوطنية مثل الشركة الهولندية الشرقية في الهند (Dutch East India Company) المؤسسة في عام 1602، وشركة “جنوب البحر” البريطانية التي أعطت الشركات ذات المسؤولية المحدودة سمعة سيئة بعد أن وقعت في فقاعة المضاربة- (Bubble).
ولكن مع ظهور صناعات أضخم، أكبر وأوسع مثل سكك الحديد، وحديد الصلب، ومصانع الكمية في منتصف القرن التاسع عشر، زادت الحاجة إلى تلك النوعية من الشركات التي تعطي حرية أكبر ومسؤولية أقل للمستثمرين. في هذا الوقت كان هناك عدد قليل جدًا من المستثمرين الذين لديهم رأس مال يكفي لإنشاء أو تأسيس مصنع الصلب أو سكة حديدية بمفردهم، ولذلك كانوا بحاجة إلى مستثمرين أكثر. فبدءًا من منتصف القرن التاسع عشر كانت السويد أول دول تنشئ تلك النوعية من الشركات ثم بريطانيا، ثم باقي أوروبا. ولكن مع ذلك فإن الشكوك حول قيمة تلك الشركات بقيت حتى القرن التاسع عشر.

ومن المثير للاهتمام، أن من أول المفكرين الذين لاحظوا أهمية الشركات “ذات المسؤولية المحدودة” كان كارل ماركس عدو الرأسمالية الأول، و”الأب الروحي للاشتراكية”. على عكس الكثير من معاصريه الداعين “لحرية الأسواق”، الذين عارضوا الشركات “ذات مسؤولية محدودة”، أدرك ماركس أن تلك النوعية من الشركات ستستطيع توظيف مبالغ كبيرة من الأموال للمشاريع الكبرى مثل سكك الحديد، ومصانع الكيماويات، وكل أنواع الصناعة الثقيلة، وستقلل من مخاطر الملكية الفردية لدى المستثمرين.

كتب ماركس في عام 1856، أن الشركات المساهمة التي تعطي المستثمرين مسؤولية أقل ومخاطر أقل هي التطور الأكبر و”الأعظم” للرأسمالية. ولكن من الأسباب الرئيسية لإعجاب ماركس بتلك الشركة هو أنه ظن أن تلك الشركة ستسهل وتكون السبب الرئيسي لانتقال المجتمع “للاشتراكية” لأن تلك الشركة تفصل بين أصحاب رؤوس الأموال والمديرين، ولذلك يسهل القضاء على أصحاب رؤوس الأموال دون القضاء على شركاتهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد