السيد المسيح والعالمية

بداية أريد أن أتحدث قليلًا عن السيد المسيح، عليه السلام، كون الموضوعين يشبهان بعضهما بعضًا إلى حدٍ كبير، في العقيدة المسيحية هناك إله واحد لا نظير له ولا شريك في ثلاثة أقانيم، متحدين بغير امتزاج، ومتميزين بغير انفصال: الآب والابن والروح القدس، لست بصدد مناقشة هذه العقيدة، ولكن لدي سؤال وهو متى أقرت هذه العقيدة؟!

لقد كان ذلك في المجمع المسكوني الأول عام 325 م، بحضور أكثر من 300 رجل من الأساقفة المسيحيين بطلب من الإمبراطور الروماني، وقد صلنا أنَّ الإمبراطورية الرومانية ظلَّت وثنية حتى حلت المسيحية محلها على يد الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، الذي جعل منها دينًا وحيدًا للإمبراطورية في القرن الرابع الميلادي، ثم صدرت هذه الإمبراطورية المسيحية لأوروبا ومنها إلى العالم أجمع، أما المسيح حقيقة هو رسول إلى بني إسرائيل فقط، وليس إلى العالم، وفكرة المسيح المخلص كانت منتشرة بين فئة قليلة من اليهود، كانت تنتظر ظهور المسيا المخلص، لكي يحرر الشعب اليهودي من اضطهاد الرومان ويبني ملكوت الرب في الأرض، ثم عُممت عقيدة المخلص لتشمل البشر كلهم.

«وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيل * وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيل أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ…».

هَلْ يُمكِن لِلْقرآن العربي أنْ يقيم الحجة على العالم كله؟

«وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير».

«أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُون»

«وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِه..»

«لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُون».

«وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون».

«وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّا…».

«قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون».

«كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون».

«وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا».

أقوى الأدلة هو الدليل الأول؛ فقد حُدِّدَت فيه لغة الكتاب والمنطقة الجغرافية للرسالة، والدليل الثاني هو التركيز على عربية القرآن، فمن المعلوم أن لكل شعب لغته الخاصة، واللغة هي أول علامة على التخصيص وليس التعميم.

لو أخذنا قوله: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون»، ثم عرضناه على رجل ياباني، فإن أول كلمة سينطقها أعقل ماذا؟! وما علاقتي أنا باللغة العربية حتى أعقل القرآن العربي؟! خذ هذا النص وبلغه لقومك العرب لعلهم يعقلون، أما أنا فغير ملزم به، وهو محق بهذا الكلام، فلو فرضنا أن القرآن كان باللغة الألمانية، وعرض على أحدهم نصًّا يقول: إنا أنزلناه قرآناً ألمانيًّا، فإني سأرد عليه بالرد نفسه، وسأطلب قرآنًا بلغتي، والترجمة لا تغني شيئًا عن النص الأصلي؛ لأن أي كتاب يفقد روحه وجماله وقوته وعمقه، إذا ترجم إلى لغة أخرى، كل الكتب تفقد روحها في اللحظة التي تترجم بها إلى لغة أخرى، وخصوصًا الكتب التي فيها شيء من البلاغة والأدب، فلو ترجمنا قصيدة للمتنبي إلى اللغة الإسبانية، فإننا سنحصل على نص سخيف لن يكون له أي وزن، وكذلك الإعجاز اللغوي في القرآن وسحر القرآن ليس له جمال إلا في اللغة العربية، لذلك وصف الوليد بن المغيرة القرآن «إن فيه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته»، لا ينطبق إلا على النسخة العربية فقط، أما الترجمة فهي مجرد نص نثري عادي مثله مثل أي نص.

منطقية القرآن في الطرح

«وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِي».

يقول الرب: لو جعلنا القرآن أعجميًّا لاستغربوا وقالوا: كيف يكون أعجميًّا ونحن قوم عرب، إذن أظهر لنا الرد المنطقي الذي يتوجب قوله، وأنه من حقهم الاعتراض لو كان غير عربي، يمكننا الآن عكس الآية على الشعوب الأعجمية التي من حقها الاعتراض على العربية، فلو فرضنا أن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، كان رجلًا صينيًا لقيل له: «ولو جعلناه قرآناً عربياً لقالوا لولا أعجمت آياته أَعَرَبيٌ وعجمي.. “.

لو غُصت في أعماق أي شعب ستجد أن الغالبية الساحقة من هذا الشعب هي فئة متقوقعة على نفسها، غير معنية بأخبار الأمم الأخرى، بمعنى تاريخ العرب لا يعني الشعب البرازيلي أبدًا، ولو سألت الملايين منهم عن العرب، فإنهم لا يعرفون من هم العرب، ولربما لا يعرف الكثير منهم عن العرب سوى الاسم، أما تاريخ هذه الأمة فلا يعرفون عنه أي شيء، لذلك من الجهل أن تظن أن التفاصيل التي تعرفها أنت عن النبي والقرآن هي نفسها معروفة لكل العالم، ومن حق الياباني واللاتيني أن يعترض ويقول أنا غير ملزم بتعلم لغة غاية في التعقيد بعيدة كل البعد عني، والنص القرآني، بعيدًا عن كلام رجال الدين، يبين أن الله لم يوجه القرآن للعالم، وهذا يحل مشكلة كبرى كثيرًا ما يطرحها الملاحدة، وهي ما ذنب الإنسان أن يدخل النار إذا ولد من أبوين غير مسلمين، ويدخل المسلم الجنة فقط لأن القدر جعله ولدًا لأبوين مسلمين، وأريد أن أسأل كم عربيًّا قد قرأ النسخة اللاتينية أو اليونانية أو حتى العربية للإنجيل، لا أحد باستثناء المفكرين والباحثين والمهمتين بهذا الأمر، فكيف تطلب من الأمم الأخرى قراءة القرآن بلغة لن يفهمها لو بقي سنين طويلة وهو يتعلم العربية، وحتى النسخة المترجمة كيف تطلب منه قراءة القرآن، وأنت لم تقرأ أي كتاب من كتب الديانات الأخرى.

النصوص القرآنية التي تتكلم عن عالمية الرسالة

«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين»

«قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا..»

ليس بالضرورة أن تكون الألفاظ العامة دليلًا على أنها موجهة لكل البشر، فعندما يقول الله لنبيه قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاس، فإنَّها ستجري على لسان النبي أي إنه سيقولها لمجموعة من الناس، بإمكانك أن تجمع عشرة آلاف شخص وتقول لهم أيها الناس إني مطلوب مني أن أقول لكم كذا وكذا، فهل لفظة أيها الناس هنا تعني كل البشرية، كذلك رؤساء الدول يخاطبون شعوبهم بألفاظ عامة تفيد التخصيص، وحتى في لهجتنا العامية كثيرًا ما نستخدم ألفاظًا عامة ونقصد بها مجموعة محددة من البشر، وقد تكون موجهة لكل البشرية، لا أنفي هذا بالمطلق، ولكن أدلة المحدودية أكثر منطقية وقوة، وطالما أن الرب قد حدد في آية من آياته لغة الكتاب ومكان التبليغ، فإنَّ كل الآيات التي فيها ألفاظ عامة مثل العالمين والناس، هي ألفاظ  تعود على أهل هذه المنطقة.

أدلة أخرى غير مباشرة تؤكد المحدودية وليس العالمية

الخطاب القرآني للآخرين كان في قمة العقلانية، فالإسلام لم يأتِ ملغيًا للآخرين وناسفًا لدينهم: «قُلْ يَا أَهلَ الكِتَابِ تعَالَوْا إلى كَلِمةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَيْنكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بهِ شيْئا..»

«إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون».

«وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِين».

في هذه الآية ينكر الرب على اليهود، ويقول للنبي لماذا آتى هؤلاء إليك وعندهم التوراة فيها حكم الله؟!

«إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ..» إلى قوله: «وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُون».

«وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ».

بالتالي الآيات التي يقول فيها الرب، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، الفاسقون، والتي يستشهد بها رجال الحركات الإسلامية والمتعصبون دليلًا على تحكيم الشريعة هي آيات موجهة لليهود والمسيحيين، ولكنهم كعادتهم بارعون في الاجتزاء وإسقاط النصوص على غير معناها، والدليل الأهم قوله تعالى: «لكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون».

ليس لدينا عصابات، لدينا جوهر واحد لا يوجد فيه فرق بين محمد، ولوط، وموسى، وشعيب، وإبراهيم، والتمييز بين الأنبياء هو من اختصاص الرب وليس من اختصاصك «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْض..»، أما بالنسبة إليك فجميعهم سواسية كأسنان المشط «لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ»، وبإمكانك تبليغ البشر رسالة من شئت محمد، أو إدريس، أو موسى، أو عيسى، لا يوجد فرق من ناحية الجوهر، أما التفاصيل فهي متروكة لكل أمة «لكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا».

كلمة أخيرة

يميل البشر عادة إلى عبادة الأشخاص وتقديسهم وتأليههم بشكل مباشر أو غير مباشر، فهناك ألوهية ظاهرة وهناك ألوهية مبطنة، ولو فرضنا أنّي شكَّلت الآن مذهبًا دينيًّا يقومُ على شكر وتمجيد وتقديس وتعظيم الإله وفقط الإله، فإنَّ أتباع هذا المذهب سيتركون الجوهر وسيُحسَبون عليه بالاسم فقط، وسوف يؤلهون ويقدسون صاحب هذا المذهب، من أجل ذلك لا تحلم أن يتغير البشر، فهذا ديدنهم منذ فجر التاريخ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن النادر أن تجد عبد.ا ربوبيًّا بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولقلما تجد من يعظم الله حق التعظيم، بقدر ما يدور محور حديثه عن الأشخاص، ومن يتأمل حال الأمة الإسلامية يراه لا يفرق كثيرًا عن المسيحية، كلاهما يؤلهون أنبياءهم وينزلونهم بمقام الربوبية، ولكن كل فئة ألَّهت نبيها بطريقتها الخاصة، وكأن الأنبياء هم المقصودون بالعبادة وليس الله.

لولا الإمبراطورية الرومانية لما جرى تعميم المسيحية على أنها دين للعالم كله، وأن المسيح مخلص للبشر، وكذلك لولا الإمبراطورية الإسلامية لما جرى تصدير القرآن على أنه كتاب عالمي، فالتصدير كان سياسيًّا أكثر منه دينيًّا.

«وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل..».

«ما الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل..».

بالتالي لو بقينا ألف سنة نقنع العالمين المسيحي والمسلم بأنَّ المسيح كان رسولًا إلى بني إسرائيل فقط، وأنَّ محمدًا كان رسولًا إلى أم القرى ومن حولها، فلن يقتنعوا وسيقول الفريق الأول أن المسيح كان مخلصًا للبشرية كلها، وربما يقطع الفريق الثاني رأسنا على هذا الكلام، وَمَن يهدِ الله فهو المهتد، ومن يُضلل فما لهُ مِنْ هَاد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد