الطريقة المثلى لفهم القرآن الكريم

في الحقيقة لا يُفهم القرآن بشكل منفصل وإنما ينظر إليه ككتلة متكاملة، ولو بنينا حُكمًا على كل آية، فسيقودنا هذا الأمر إلى التناقض والتخبط وعدم الفهم، فعندما يقول الرب:

«وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا».

«وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَها».

«وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون».

بما أنه قد حدد المكان الجغرافي واللغة، فقد تم التخصيص، بالتالي كل الألفاظ العامة مثل البشر، العالمين، الناس تعود على الخاص، إذا تم التخصيص، فاللفظ العام سيكون محتوى في هذا الخاص حتمًا، فلو قلنا تم تعيين فلان الفلاني ملكًا لدولة السويد، فالكلمات العامة التي سنسدها إليه ستكون عائدة حتمًا على دولة السويد، أو أنها تخص جميع بني البشر فيما يتعلق بالقانون الدولي، وعلاقة هذه الدولة مع الدول والشعوب الأخرى.

أين تتجلى العالمية في الأديان كلها؟

لا يعني كلامنا السابق أنَّ القرآن لا يحوي ألفاظًا عالمية موجهة لكل البشر:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير».

«يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون».

هذا الخطاب العالمي هو جوهر كل رسالة، والملخص بقوله: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون»، وهذه العالمية هي المطلوبة من الجميع، وهي تتجلى في الاعتراف بالإله بصفته إلها حاكمًا مطلقًا مسيطرًا على الكون وما وراء الكون وما قبل الكون وما بعده، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وهي الدعوة التي يشترك بها جميع أنبياء الإله، ثم يأتي بعدها الصلاح الأخلاقي، أي أن يكون المرء إنسانًا صالحًا وفعّالًا في الحياة، والدين الرباني فعليًا ملخص بعبارتين فقط، الأولى تعرف الدين والثانية تعطيك جزاء هذا الدين.
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ،كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا».

الأمر بسيط جدًا ليس بحاجة إلى كليات ولا معاهد ولا دروس فضائية، فقط إيمان وعمل صالح وانتهى الأمر، وهذا هو المطلوب عالميًا، منهج أخلاقي بحت بالتالي لو بلغنا رسالة محمد، إلياس، موسى، عيسى، إبراهيم… إلخ، هي واحد في جوهرها؛ لأن كل الأنبياء طلبوا منا الصدق والوفاء والكرم والإحسان وحسن الجوار وإكرام الضيف،إلخ، ولهذا السبب طلب منا الله عدم التفريق بين الرسل، والله وحده هو الذي يفرق بينهم ويفضل بعضهم على بعض.

«قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚوَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم».

«تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْض مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُس».

إذا كان الدين واحدًا فلماذا الاختلاف؟!

منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا لم نسمع أنَّ شخصًا قد حكم الكرة الأرضية كلها، واستطاع نشر فكره فيها، وهذا لن يكون حتى بوجود دولة نووية، بالتالي نشر شريعة واحدة في كل أنحاء الكرة الأرضية هو ضرب من ضروب المستحيل، وأمر غير قابل للتحقيق أبدًا، ومن الصعب جدًا أن تجد رجلًا قد غير دينه ثمَّ انقلب إلى دين آخر، هذا أمر يكاد ينعدم، وإنْ تم فهو يتم على مستوى ضئيل جدًا يوشك ألَّا يُذكَر، بمعنى لا تجد مسلمًا قد تحول إلى المسيحية ولا يهودي إلى الإسلام، وحتَّى ضمن الإسلام نفسه قلما تلتقي بسني قد تحول إلى الشيعية أو العكس، ذلك لأنَّ الإنسان مستعد أن يضحي بنفسه دون أي تردد على أن يغير دينه، وإنْ حصل لفرد ردة فعل معينة من دينه، فإنَّه لا يبحث عن دين آخر، وإنَّما يختار طريق الإلحاد، الإلحاد أهون عنده من أن يتحول إلى دين آخر، هذا الأمر يحصل مع المسلم والمسيحي واليهودي وكل أديان الأرض، أما تصحيح العقيدة فهو أمر أهون على النفس بكثير، بإمكان أي فرد أن يبقى على دينه مع تصحيح عقيدة هذا الدين، ولو كان كما نقول أن القرآن لكل البشر معناها والعياذ بالله هذا الرب غافل عن فهم طبيعة الواقع، ولا يعلم هذه الحقيقة، ولكن الله مدرك تمامًا لهذا الأمر لذلك خاطب نبيه:

«وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين».

«وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِين».

ومن ثم الرب كما بينت في الجزء الأول من هذا المقال لم يلغ الأديان الأخرى، وإنما طلب من الجميع الجلوس والوصول إلى أرضية مشتركة تتلخص في الوحدانية المطلقة للإله، والابتعاد عن تقديس الأفراد وعبادتهم.

«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚفَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون».

«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلا».

المحافظة على شرائع الأمم دليل قاطع على التخصيص

فطالما ألغى الأديان الأخرى، وقال لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، فهذا دليل قاطع على التخصيص، وأنَّ لكل قوم شريعته الخاصة، ولو كان عالميا لألغى البقية، أما لو كانت الشريعة لكل البشر، فهذا يعني بشكل لا يدعو للبس أنَّ هذا القرآن متناقض يناقض بعضه بعضا، مرة يلغي الشرائع الأخرى، مرة يجعل لكل قوم شريعة، مرة يقول لأم القرى ومن حولها، مرة لكل العالم، وهذا التناقض صحيح في حال قرأنا القرآن بشكل منفصل، أما لو قرأناه بشكل متكامل، نفهم أن الرسالة عالمية في جوهرها، وكل الأنبياء يشتركون في هذا الجوهر، لذلك كان الخطاب العالمي في القرآن مرتبط بهذه الجزئية فقط، أما الشريعة فهي ليست لكل البشر حتمًا «لكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة».

«وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعا».

اكتفى بدعوة الجميع إلى استباق الخيرات، وكما قلت لو عرضنا على ياباني قوله: إنَّا انزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون، لقال لنا: وأعقل ماذا وهل أنا عربي حتى أعقل القرآن العربي؟!، ولكن لو أخبرناه بوجود رب خالق للكون كله، وطلبنا منه أن يكون إنسانًا صالحا، فنحن فعليًا قد بلغناه الرسالة، وهي رسالة نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم جميعا.

احتكار رب العالمين وقذف بقية البشر إلى جهنم

أما التفرد واحتكار جنة الخلود لفئة دون الأخرى، إنْ دلَّ على شيء فهو يدل على الفكر الفئوي والعصبي لهذه الجماعات، وليس ذلك فحسب، بل إنه يقذف بالغالبية الساحقة من البشر في نار جهنم، المسيحيون لخصوا الدين كله في شخص عيسى عليه السلام فقط، والمسلمون فعلوا مثلهم.

«وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى».

«وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين».

«وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون».

ونحن الآن نفس هذا المنطق حتى داخل الصف الإسلامي، لسان حال الجميع يقول: وقالوا كونوا سنة أو شيعة تهتدوا، وقالت السُّنَّة ليست الشِّيعة على شيء، وقالت الشّيعة ليست السّنة على شيء.

كل فئة تقول للأخرى بأنَّك على باطل، والحقيقة عندنا فقط ونحن أحباء الله وصفوته من خلقه، والباقي عبارة عن حطب ووقود لجهنم، وبالتأكيد هم لا يعلمون لأنَّهم لو علموا ما نطقوا بمثل هذا الكلام «كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ».

كلمة أخيرة

لدينا اليوم حوالي ملياري مسيحي منتشرون حول  العالم، ولكن هذا الانتشار لا يعني أن عيسى لكل العالم، لأنه رسول إلى بني إسرائيل فقط، كذلك المسلمون، هذه الكثرة العددية لا تدل ولا بأي شكل من الأشكال العالمية، فكما تم تعميم المسيح عليه السلام، تم تعميم شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بنفس الطريقة.

«مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَام».

« وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل».

«قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِين».

ما كنت بدعًا من الرسل يعني لا أفرق شيئًا عن الرسل الذين سبقوني، ولا أملك أية مزايا إضافية، وليس ذلك فحسب بل لا يدري ما الذي سيحل به وبأتباعه، إذن كل الأحاديث التي تبين التفضيل هي اختراعات ومخالفة لهذا القرآن.

لاحظت أنَّ الرب قد ترك البشرية تفعل ما يحلو لها، فلو أتت جماعة بعد مئة سنة، وقالوا أنَّ لوطًا كان رسولًا لكل البشر، وهو المخلوق الأفضل، والأكثر قربًا من الله، ثمَّ نشروا رسالته في كل أنحاء العالم فسوف يتركهم على راحتهم.

«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد».

«إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون».

«ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون»، يحكم بينكم، ينبئكم وليس يعذبكم .

المخلوقات متروكة وشأنها حتى يأتي يوم الحساب، لذلك يعج القرآن بكثير من الآيات التي تتكلم عن هذا الأمر، وأنَّ الله هو من سيفصل النزاع وسيكون الحَكَم بين هذه الأمم، لفض النزاع وليس للعذاب، أما العقاب والعذاب فسوف يكون لحثالات البشر من الظلمة والمجرمين والكفرة المردة وغيرهم، وهذا أمر رباني لا علاقة لنا فيه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد