دائمًا ما يلجأ الحكم المستبد إلى تكميم الأفواه وصم الآذان وقمع الحريات وعقد الألسنة وسجن العقول والأدمغة، هذه الصفات التي يتميز بها كل نظام ضعيف، يحارب الأفكار والمعتقدات بالأسلحة والهراوات وحبال المشان.

إن الحكم الذي يتصف بالاستبداد، رغم قوته وحدّة غضبه، إلا أنه الأضعف بين أنظمة الحكم السياسية، نستطيع أن ندرك ذلك بنظرة سريعة على الحالة التي يؤول إليها المواطنون الذي يعانون من الاستبداد، فبعد أن يُصنَع من المواطنين الأحرار كائنات لا تسمع ولا تعقل ولا تفعل أي شيء غير الانقياد والانصياع للحاكم الآمر، يتحوّل الأفراد إلى آلات بشرية خاوية الروح لا تملك من أمرها شيئًا وتخشى كل صغير وكبير وتهاب كل تافهٍ وعظيم.

أضف إلى ذلك عامِل الاكتئاب الذي يلعب دورًا غاية في الأهمية في إحباط كل محاولة لعمل ثورة أو لحدوث انتفاضة، الاكتئاب يدفعهم إلى الشعور بالعجز والإحباط وقلّة الحيلة وتجنّب المواجهة والمشي جنب الحيط، الاكتئاب الناجم عن كثرة القتل وقلة الموارد.

وعليه، فالمجتمعات القمعية تتغذّى على مجموع الطاقات السلبية المنتشرة وسط شعوبها، وتحرص دائمًا على صنع شعبٍ غير قادر على المطالبة بحقوقه وعاجز عن دفع أي ألم أو أذى يمرّ به.

وكل ذلك يصب في مصلحة أبدية الحكم المتمثلة في هذه الأفاعيل الخسيسة، لكن وسط كل هذا الضياع، بين كل هذا الفقر والجوع والمرض والمعاناة، أثناء ذلك الاستبداد والقوانين الطاغية، يصبح اندلاع شرارة الثورة في أوج وقته المثالي، هذا درس نتعلمه من مجرد النظر إلى تاريخ الدول السابقة.

هذا النوع من أنظمة الحكم دائمًا ما يلقى حتفه ويواجه مصيره على يد طبقة البروليتاريا، طبقة الفقراء والمساكين، إنه مصيرٌ محتوم يواجه كل نظام مستبد.

إن حرية الاختيار ملكة مثيرة للاهتمام، هي غريزة تكمن في كل كائن حي على رأسهم الإنسان، هذه الغريزة ما أن تحاول كبح جماحها وتقييد زمامها، حتى تزداد شعلتها وتتضاعف قدرتها، إنه الإنسان المفطور على التحرر والانعتاق من كل قيد ومن كل أسر.

وتأتي الدوافع التي يتغنّي بها الحاكم الدكتاتوري على هيئة» مساعدة الفقراء» و«مناصرةً للمظلومين» و«من أجل اقتصاد أفضل» و«في سبيل الحرية والمساواة»، هذا ما يحدث في الظاهر، لكن إذا توغّلنا داخل نظام الدولة نجد ازيداد الفقر وانتشار الظلم وانحدار الاقتصاد وكبت كل معارضة من الشعب، فيما الأرستقراطيون نائمون في العسل !

إن غاية الحاكم المستبد هي السلطة والأنا فقط، ومهما صُرِّحَ بغير ذلك فهو محض هراء.

ومن التبريرات اللطيفة للحكم السلطوي، هو الخوف من «العدو المجهول» الذي إن بادر بالهجوم فسنموت جميعًا وسنعيش في الخراب وتحت أنقاض الدمار، وتتجلى المشكلة في تلكمُ الأكثرية – التي لا يخلو منها أي بلد – الذين يطأطئون رؤوسهم خضوعًا وخنوعًا لذلك المستبد، فهم يعانون ويتعذّبون ويتألمون مرضًا وفقرًا، كل ذلك لأنهم يهابون ذلك «العدو المجهول».

ولأن الساسة و»المطّبلاتية« قد أقنعوا الشعب بأن حال البلاد سيصبح «كارثيًّا» إذا ما انهزمنا على يد ذلك العدو اللعين، وبأنهم مهما واجهوا من صعاب الحياة وشدة المعاناة فسيكون أيسر من الهزيمة أمام ذاك العدو الخسيس، فهم يرضون بأحط المعاملات وأكثر القوانين لامعقوليةً واستبدادًا ويتألمون من قلة الطعام والشراب وانتشار الأوبئة والأمراض، يرضون بكل هذا في سبيل عدم الهزيمة أمام عدوّهم الخفي، ولأن«قدرًا ألطف من قدرٍ» هؤلاء هم الأكثرية.

وأنا في كل يوم يتضح لي أكثر وأكثر، بأن الأكثرية غالبًا ما تكون على خطأ، وأن أكثر أنظمة الحكم غباءً هي الأنظمة التي تعتمد على حكم الأغلبية، ذلك أنه لا أحد ينكر بأن العامة لا يلقون بالًا للقراءة أو للتفكير والثقافة، وإنما همّهم الأول والأخير هو الحصول على لقمة العيش وغذاء الجسد دون العقل، العامة يمكن بسهولة خداعهم وشراء عقولهم ببضع جُميلات أو بكيلو زيت وسكر !!

أقول ذلك آسفًا على ما صنعته أيدي الحكومات التي لا تلقي بالًا بتثقيف الشعب وتوعيته ولا يهمهم من ذلك شيئا غير الاستمرار في الحكم لأطول فترة ممكنة وتذوق لذة الجاه والسطوة والسلطان طوال العقود الخمسين القادمة.

مع ذلك، لا يمكننا أبدًا أن نغفل أن شرارة الثورة تندلع من العامة، وأول هتاف دائمًا ما يبدأ من العامة، والشهداء الذين يموتون بالألوف وعشرات الألوف يكونون من العامّة، وتشتعل شرارة الثورة وسط البسطاء الذين فاض بهم الكيل وسئموا الخنوع لترهلات نظام الحكم.

وفي ذلك يقول جورج أوريل – صاحب رواية 1984 – :

إن كان هناك من أمل، فالأمل يكمن في عامة الشعب

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد