يقول الأستاذ محمد الفيتوري: «وإذا التاريخُ أغنى أُمَّةً بشهيد فأُلوف شهداؤنا.. وإذا الثورة كانت بطلًا يطأُ الموت ويحتلّ الزمانا فلنا في كُلِّ جيل بطل مجدهُ يحتضن المجد احتضانًا».

وكعادة رداءة الزمان، ويبدو أنه زمان يعادي الحرية والتقدم، بل وينتقم من حاملات لواء الفكر والتحرير والكرامة بقتلهن، إنه زمن اللا عدل. وفي تونس، إن لم تقتل المناضلات بالرصاص والتعذيب، فحتما ستتكفل البيولوجيا بقتلهن، إما مرضًا أو وهنًا.

أفاق التونسيات والتونسيون على رحيل الشابة لينا بن مهني، تلك الجامعية صديقة الطلبة، وصاحبة مدونة «بنية تونسية – A Tunisian Girl»، التي كانت من الجيل الأول لمناضلي التدوين زمن الدكتاتورية، حين نقلت بحرفية انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008، وحين غطت، بل وتحولت إلى سيدي بوزيد في زمن الدم والرصاص، لتنقل لحظة بلحظة نضال شبان الولاية ضد قوات الشرطة الهمجية.

واصلت لينا بن مهني نضالها فيما بعد «ثورة جانفي 2011»، فانضمت إلى اعتصام القصبة 1 و2 والى التصدي إلى المشروع الإخواني في تونس، خاصة سنة 2013. كما كانت مشاركة بقوة في اعتصام باردو، ولم تغب البتة عن حملات مكافحة الفساد، خاصة حملة «مانيش مسامح» سنة 2016، حين كانت عنصرًا مؤثرًا في الحملة التوعوية لفضح الفاسدين من رجال أعمال ومتنفذين في الدولة.

آخر الحملات الانسانية التي قامت بها لينا بن مهني كانت التبرع بكتب للسجون التونسية، ونظمت حملات تبرع معتبرة أن السجن هو مؤسسة إصلاحية بالأساس، ومن حق السجين أنا ينال العلم والقراءة والمعرفة. لينا بن مهني أكبر بكثير مما كتبت عنها، فمسيرتها الحافلة أعمق مما دونته.

لم تكن جنازة لينا بن مهني جنازة مليئة بالبكاء والسواد، أو خفض الهمم وبث الإحباط، بل، كعادة اليساريين، كان لجنازة لينا بن مهني رونقًا آخر، فقد كان اليسار فيها طاغيًا، يسار الحب والأمل، القاطع أبدًا مع ثقافة الموت، يسار التجديد والتمرد على الذكورية الساقطة والمتمكنة من أعشاش المجتمع، فالنساء حملن نعش لينا بن مهني، مرددات شعارات تعاهدها على مواصلة مسيرتها الحافلة بالمساواة والمزيد من افتكاك الحقوق النسوية، تعاهدها على زرع الحب في ربوع الوطن والمشي مع رفيقها الرجل خطوة بخطوة نحو تكريس العدالة والكرامة.

مشهد حمل نعش لينا بن مهني على أكتاف النسوة أرعب السلطة الذكورية، فسالت المقالات والتدوينات للمشعوذين تدين هذه الجنازة بحجة أنها خروج عن الدين، وأنها هرطقة، بل إن البعض قال إنها كفر.

أثارتهم الجنازة فقط لأنها إعلان عن تمرد واضح عن سلطة الذكور، وأكثر أنها بناء جديد لعلاقة مجتمعية جديدة تربط بين النساء بالرجال على أساس السواء.

الذكورية السامة تمكنت من المجتمع التونسي منذ القدم، بل إن التاريخ وتغييره يحتاج إلى قراءة جديدة تقوم به النسوة، ولفهم التاريخ بالتاريخ نفسه لا بتاريخ المهيمنين، قبل الذهاب لفهم الحاضر، بلا عدة الفهم.

وحرب الحركة النسوية هي دائمًا ضد الذكورية المتشعبة في موروثنا، والأكثر أن الحركة النسوية التونسية تحمل مشروعًا واضحًا مبتعدة عن التصورات الاستشراقية للمرأة، خاصة ولا سيما تلك التي تقف خلفها نسوية ليبرالية ساذجة تردّد المصطلحات ببغائيًا.

كما من المهم لفت الانتباه إلى أن مسار تحرر التونسيات هو مسار قديم ومتشعب ومرهق وطويل، ولكن يأتي بنتائج دائمًا ما تزعزع المجتمع التونسي وتدفعه أكثر إلى التقدم، كان آخرها مشروع المساواة في الميراث.

وفي النهاية، دامت لينا بن مهني عنوانًا للأمل والتجديد والروح النسوية. إلى اللقاء صديقتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد