الكثير منا يقضي عمره وهو يحاول أن يتعلم لغات مختلفة ليطور من ذاته ويصقل شخصيته ويقوي معرفته بالثقافات المختلفة، لأنه وكما هو متعارف عليه بأن تعلم اللغات الجديدة لا يضيف لنا لغة فقط، بل يضيف لنا معرفة بالشعوب التي ندرس لغتها، وثقافة واسعة، وشغف لمعرفة المزيد عن تلك الحضارات المختلفة عنا كليًا أو جزئيًا. ولا ننسى بأن اللغات بشكل عام وتعلمها بشكل خاص يعمل على تقوية الإمكانات الذهنية والعقلية للفرد؛ فتعمل اللغات الجديدة على زيادة نسبة التركيز والوعي لدى الأفراد، بالإضافة إلى قدرتها على تحفيز القدرات التحليلية للأدمغة البشرية، وتزيد من حب الشخص للمغامرة واستكشاف كل جديد؛ كحبه لاستكشاف هذه اللغات المختلفة.

وما أن يستكشف الانسان لغة جديدة حتى يبدأ باستعراض ما تعلمه من هذه اللغة والتفاخر بالثقافات الجديدة التي دخلت إلى منظومته الدماغية؛ وهذا بلا شك أمر محمود يستحق للإنسان أن يتفاخر به. ولكن يبقى الأمر معلقًا بأن تلك اللغات عامة، واللغة الإنجليزية المهيمنة خاصة، بدأت تؤثر وبشكل كبير على حياة الفرد الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ولا ننسى تأثيرها الأساسي على الهوية العربية للفرد العربي، وعلى الأيديولوجية الفكرية الخاصة به. بمجرد دخول اللغة الإنجليزية على حياة الفرد فأصبح هناك نمط لغوي مختلف وتسلسل غريب بعض الشيء، حيث يبدأ تأثير اللغة يظهر من خلال ما يسمى بالتناوب اللغوي والذي يعرف «code-switching» باللغة الإنجليزية، ومن ثم يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة الاقتراض اللغوي «borrowing language» أو «loanwwords».

يعرف التناوب اللغوي بأنه؛ عملية تبديل اللغة في علم اللغة الاجتماعي «socio-linguistics»، ويحدث عندما يقوم المتكلم على التبديل بين لغتين أو أكثر أثناء الحديث، أو استخدام عدة لهجات لنفس اللغة في سياق محادثة واحد. على سبيل المثال: بدء الحديث باللغة العربية والانتقال للغة الإنجليزية في نفس الخطاب المكتوب أو الخطاب الشفوي، أما في الحالة الأخرى، وهو أن يتكلم الإنسان اللغة العربية الفصيحة بداية، ومن ثم ينتقل ليتحدث باللغة العربية العامية فيما بعد.

أما بالنسبة للاقتراض اللغوي فيعرف بأنه هو عملية أخذ إحدى اللغات بعض العناصر اللغوية من لغة أخرى وتلك العناصر قد تكون أصواتًا، أو كلمات أو صيغًا، وهو المرحلة الثانية والمتقدمة من التناوب اللغوي حيث تصبح الكلمات المستخدمة من اللغة الثانية والمدرجة في كلمات اللغة الأم من الكلمات الأساسية التي نستخدمها في حياتنا اليومية وبشكل دوري كأنها كلمة أصلية وليست مستعارة. وهنا يبدأ التأثير على الثقافة المجتمعية والأيديولوجية الفكرية وعملية اغتيال اللغة من قبل المستعمر اللغوي الذي يحاول بأقصى جهده أن يجرد الشعوب من لغتها العربية؛ لأن اللغة بحد ذاتها هي إرث ثقافي واجتماعي وحصيلة لخبرات وعادات وتقاليد وعقائد دينية مختلفة.

ومع استمرار حب تعلم اللغات الجديدة والمختلفة وخاصة اللغة الإنجليزية، ومع سعي المستعمر لانتهاز الفرص والدخول بين ثنايا الهوية العربية لشطبها كليا، تحولت اللغة الإنجليزية وتعلمها من أمر اختياري إلى متطلب إجباري يرغم الجميع على تعلمه من أجل دخول الجامعات المرموقة وغير المرموقة، وأيضًا من أجل الدخول إلى سوق العمل والمباشرة بمهنة الأحلام. إذ تحولت المقابلات من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية أو الفرنسية التي تعتبر اللغات السائدة في معظم الوطن العربي، وذلك بناءً واعتمادًا على الاستعمار الذي احتل الدول العربية.

فمثلًا المغرب العربي، وسوريا، ولبنان، يعتمدون اعتمادًا كليًا على اللغة الفرنسية التي أصبحت لغة متداولة بينهم أكثر من اللغة العربية، وبلاد أخرى كالأردن مثلًا، أصبح أساس قبول أي شيء جديد هو متطلبات اللغة الإنجليزية التي تعد اللغة السائدة واللغة الوسيطة التي تجمع العالم بأكمله. تحولت اللغة الإنجليزية من مادة واحدة تدرس للطلاب من ضمن منهجهم إلى لغة تدخل في كل المواد والمناهج كالعلوم، والاجتماعيات، والرياضيات، وحتى الثقافة الإسلامية. فأصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة الأساسية، واللغة العربية، هي اللغة الثانية أو الثالثة في المنهج الدراسي.

بدأ الأمر عندما أصبحت نظرتنا للغات الوسيطة كاللغة الإنجليزية؛ على انها لغات تبرز مستوانا الاجتماعي العالي وتبين طبقتنا البرجوازية، حيث أصبح معظم البشر يدمجون بين اللغة العربية تارة، واللغة الإنجليزية من تارة أخرى كنوع من إظهار الهوية الاجتماعية، حتى اعتادت الأذن العربية على سماع بعض المصطلحات التي ظننا أنها كلمات من اللغة نفسها، ولكنها مجرد صيغ مستعارة من اللغات الغربية، ولكن أصبحنا نطبق قواعد اللغة العربية على هذه الكلمات الأجنبية، سواء من ناحية الجمع، أو التذكير، أو التأنيث، حتى باتت تدرج في القاموس اللغوي.

حيث إن التناوب اللغوي الذي ذكرناه سابقًا والاقتراض اللغوي، أصبحوا وجهًا جديدًا للاستعمار اللغوي الذي جمل لنا عاداته ونهجه وثقافته من خلال لغته وأصبحنا نطبق قواعده بطريقة عمياء؛ فلم نعرف كيف نميز بين الهوية التي ننتمي إليها وتحمل في طياتها تاريخنا وتراثنا ومبادئنا التي ترعرعنا عليها ونشأنا على تقديسها، وبين طمس هذه الهوية من خلال طمس لغتها. ولم ندرك الفرق بين العلم اللغوي الذي يفتح لنا مدارك وأبواب واسعة من المعرفة والاستطلاع واتقان اللغات الأخرى، وبين اقتصار تلقي هذا العلم على بناء بريستيج اجتماعي من أجل الانتماء إلى بعض الطبقات البرجوازية فقط والتقليد الأعمى للمستعمر.

إن تعلم اللغات ووجود لغة وسيطة تسمح لنا الفرصة للتعرف على شعوب مختلفة أمر في غاية الأهمية والروعة لما له من منافع عظيمة على النفس البشرية، ولكن شريطة أن لا يتم إنكار هويتنا وثقافتنا لتحقيق مزاعم المستعمر. فالاستعمار ليس فقط ذلك الجيش الذي يقتحم البلاد وينهب خيراتها قسرًا، وإنما أيضًا هناك استعمار فكري هدفه سلب أدمغة الأفراد حتى يتمكن من السيطرة على كل الخيرات المادية والبشرية برضا جميع الأطراف وموافقتهم.

الحرب ليست بالضرورة أن تكون دموية، وإنما من الممكن أن تكون سيكولوجية وذهنية وثقافية لسلب الإرث المتبقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد