في غياب رؤية استراتيجية شعبوية وانعدام التحليل العلمي الواقعي للأمور طرحت هذا النقاش ليس ضربًا في الانفتاح الثقافي واللغوي أو تكريسًا لثقافة الخنوع لكن المقصود هو البحث والتعمق في هذه الإشكالية والمرامي الداخلية وأبعادها المستقبلية وتعرية أوراق التوت.

لعل النقاش الدائر رحاه داخل أقبية الأحزاب السياسية وداخل قبة البرلمان هو النقاش حول مشروع قانون إطار التربية والتكوين فيما يخص لغة التدريس، وانتقل النقاش في هذا الصدد حد الصراعات الحزبية والصدامات داخل الحزب الواحد، بل أضحى الأرض الخصبة لتصفية الحسابات السياسية وشخصنة النقاش، ونُذكّر بأن النقاش ليس وليد اللحظة فمنذ الاستقلال الشكلي للمغرب وفرنسة المجالات في المغرب  طُرح هذا النقاش منذ 1956 بادئًا بحزب الاستقلال تحت رئاسة محمد الفاسي الذي دعا إلى تعريب التعليم، وكان محور نقاشات الحكومات المتعاقبة في إطار إصلاح التعليم.

لقد طرح عند النقاش زوبعة تساؤلية حول موقف عامة الشعب من ذاك وذاك، حيث تسعى الحكومة أغلبية ومعارضة في تغييب تقرير الشعب لمصيره لا فقط فيما يخص اللغة وإنما في قرارات عدة والاعتماد على عملية الإسقاط دون المساءلة الشعبية.

ونطرح سؤالًا للدفع بالنقاش للأمام هل هناك معايير وضوابط تقصي لغة ما في علاقتها بالعلم؟ وهل هناك لغة علم ولغة غير ذلك؟ هو سؤال في ذاته هزلي ساخر ونعتمد في نقاشنا على المنهج التاريخي بالرجوع صوب عصر ذهبي حضارة وثقافة ولغة، ألم تكن اللغة العربية حجر الزاوية في إخراج أوروبا من ظلمات الفكر إلى نور الوعي عن طريق الترجمة في زمن آل العباس؟ فبرزت علوم من قبيل الفلك والكيمياء والطب والصيدلة والجغرافيا وغيرها، وكان بالفعل للغة الدور البارز في توسيع الرقعة العلمية والأدبية.

عمد الدكتور المهدي المنجرة إلى استعمال مفهوم يبسط الأمور ويوضح المعنى وهو: مفهوم العولمة السيميائية في ظل العولمة وتسعى هذه الاستراتيجية إلى تطويق حركة الآخر والتبعية اقتصاديًا وسياسيًا ما يجعل من اللغة حبيسة المحيط وتنحو الإمبرياليات منحى الاستلاب الثقافي والهوياتي والنظرة للغة المحلية نظرة ازدراء واحتقار تدخل في مصاف الأزمات الداخلية ويرمى بها في غياهب الجب ومزبلة التاريخ والنسيان وتغدو لغة التقاليد والفلكلور الشعبي، وتكرس بالفعل الأنظمة القائمة هذه النظرة بوعي عام وبسوء نية في خدمة الأجندة الإمبريالية سواء الفرنسية أو الأمريكية.

نورد في حديثنا المنطق أو العلاقة الجدلية الماركسية في نظريته المادية التاريخية بين البناء الفوقي والبناء التحتي ومدى تأثير أحدهما على الآخر، فالبناء التحتي الذي يشمل الاقتصاد مؤثر ومتأثر بالبناء التحتي الذي يحوي كافة المجالات من سياسة وثقافة ودين، فالمسيطر اقتصاديًا مسيطر على كافة المجالات الأخرى ويمكن إسقاط هذه العلاقة على الساحة الدولية في ظل الهيمنة الاقتصادية للدول الرأسمالية ولا بد أن تفرض هذه الأخيرة أيديولوجياتها الفكرية والثقافية على الأنظمة التابعة، ولنا في الصين خير مثال في ظل قفزتها الاقتصادية مهد وعبّد لها الطريق في تكريس ثقافتها سواء عن طريق التكنولوجيا أو وسائل الإعلام.

وحتى لا تصيبنا هواجس الحلم والتمني، وانتظار الخلاص نخلص أن الجدال حول لغة التدريس لا يعتريه أي مصلحة شعبوية أو انفراج ثقافي، إنما هو مكيجة ومساحيق تجميلية لتمرير مخططات إمبريالية داخل الساحة الوطنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد