رواية «اللحظة الراهنة» للكاتب الفرنسي «غيوم ميسو» هي الرواية الثانية عشرة من سلسلة رواياته، نُشرت سنة 2015، وصدرت نُسختها العربية عن المركز الثقافي العربي، من ترجمة معن عاقل سنة 2018.

تتوزع الرواية في خمسة أقسام كبرى، كل قسم موسوم بعنوان، ويحتوي على عدد من الفصول.

الرواية مزيج من الإثارة والتشويق، تتطرق في عمقها لمسألة الزمن في علاقته بنا، ونظرتنا له. تتوالى فيها الأحداث ويتداخل فيها الخيال بالواقع، بأسلوب ميسو التشويقي والمُباغت، مع نهاية غير متوقعة.

تدور قصة الرواية حول طبيب الطوارئ «آرثر كوستيلو» الذي يحصل على إرث من والده «فرانك»، عبارة عن منارة يُطلق عليها اسم «منارة الأربع وعشرين ريحًا»، ويشترط عليه ألا يفتح الباب المعدني للقبو أبدًا، وألا يبيعها لأحد، بناءً على وصية جدّه.

لكن الفضول سيدفع آرثر لانتهاك الشرط، والسّعي لاكتشاف اللغز الذي لم يستطع الأب اكتشافه، فيُقرّر دخول القبو، ونزع الباب المعدني، ليجد نفسه بعد هذه الخطوة في رحلة عبر الزمن تمتد لـ 24 عامًا، خلال 24 يومًا! فهذا الميراث لم يكن سوى هدية مسمومة مرّرها له والده غير البيولوجي.

يمضي آرثر 24 عامًا من حياته في 24 يومًا في رحلة نحو المجهول، في كل مرة يستيقظ فيها يقضي 24 ساعة في مكان غير معروف في نيويورك (كنيسة، مترو، مطبخ، مكتبة، …) ومرة واحدة في باريس، وعند الرحلات الأربع الأخيرة، تبدأ مدة البقاء في التقلص.

من سنة 1991 إلى سنة 2015، سيعيش آرثر 24 يومًا فقط، وخلال هذه الأيام (السنوات)، سيلتقي «ليزا» التي تعمل ممثلة متدربة، وستصبح زوجته بعد ذلك، وسيُنجبان طفلين : «بنجامان» و«صوفيا». لتطفو على السطح حكاية عاطفية بين طرفين لا يلتقيان ببعضهما سوى مرة واحدة كل عام، آرثر يقضي حياته سعيًا وراءها، وليزا تمضي حياتها في انتظاره.

يواصل «آرثر» و«ليزا» مصيرهما ليتجاوزا المصاعب والفخاخ التي نصبها لهما هذا العدو: الزمن

عندما يستيقظ آرثر من لعنة الزمن، يذهب مباشرة إلى منزل زوجته ليزا لقضاء بعض الوقت معها ومع أطفاله، ومن وقت لآخر، يلتقي جده «سوليفان»، الذي سيكشف له أسرار هذه اللعنة في كل مرة.

ينصحه سوليفان بعدم السعي نحو إنشاء أسرة والتعلق بهذا الأمر، بحكم أنه سبق له المرور من هذه التجربة المريرة، فكل ما يمر به سينتهي بمجرد انتهاء اللعنة، حيث يقول له: «اعتبر أنّ كل ما ستبنيه ليس إلاّ قصرًا رمليًا ستجرفه الأمواج، وهذه هي اللعنة الحقيقة للمنارة: في صبيحة البوم الرابع والعشرين سيتلاشى كل شيء، ولن يتذكّرك أحد ممّن صادفتهم».

مع مرور الوقت، ستتواصل المتاعب، حيث سيكتشف الابن بنجامان القصة، وسيمر بأوقات سيئة بعد معرفته بمسألة موته هو وأخته «صوفيا» بعد انتهاء اللعنة، وستُقرّر الزوجة «ليزا» أن تعيش حياتها دون انتظار عودة آرثر، كما أنّ الجد سوليفان سيتوفى بسبب السرطان.

في العام الأخير من اللعنة (2015)، يستيقظ آرثر، وتنتهي الرواية.

وحتى لا أحرق الرواية، سأتوقف هنا عملا بنصيحة ميسو التي كان قد أوردها في بداية روايته «لأني أحبك»، حيث جاء فيها: «لكي توفر لهم الدهشة، لا تخبر أصدقاءك بما حدث في نهاية هذا الكتاب».

فعند نهاية الرواية ستجد نفسك وقعت في الفخ الذي نصبه ميسو.

وسأنتقل الآن للوقوف عند بعض النقاط التي يمكن ملاحظتها من خلال قراءة هذه الرواية:

مسألة القدر

دائما ما يثير ميسو من خلال رواياته قضايا فلسفية، ولعل أبرز قضية يتعرض لها في هذه الرواية قضية القدر، وذلك جليٌّ في كيف أنّ البطل يُمضي أيامه وهو يصارع القدر المحتوم، قدر عارض رغباته ووقف في طريق سعادته. ويسوق الكاتب تعريفا للقدر على لسان الجد سوليفان: «القدر هو العلة الأبدية للأشياء، التي بمقتضاها حدثت الأحداث الماضية، وتحدُث الأحداث الحالية ولا بد للأحداث المستقبلية أن تحدث».

في حين يعتبر آرثر القدر نوعًا من العقاب، وقصاصًا للتكفير عن الذنوب.

كمّ الأحداث والمعلومات والتفاصيل

على طول الرواية، يتقاسم معك الكاتب أدقّ التفاصيل، سواء عن الشخصيات أو عن الأحداث المرافقة لتسلسل الحبكة، وذلك يظهر في كل مرة يصحو فيها آرثر، حيث يتزامن ظهوره مع تواريخ مهمة، منها ما هو مرتبط بحياته الشخصية رفقة زوجته وطفليه (عيد ميلاد زوجته، عيد الحب)، ومنها ما هو مرتبط بشكل عام بالأحداث التي تعرفها مدينة نيويورك على مدى ربع قرن (مثل هجمات 11 سبتمبر 2001).

ثنائية الرجل والمرأة

الملاحظ أنّ هذه الثنائية حاضرة بقوة في كتابات ميسو، وكأنه لا يود أن تخلو رواياته -بما تحمله من رسائل وأفكار- من هذه الثنائية التي تعد أحد أهم ثنائيات المنظومة الكونية.

فالرجل والمرأة كلاهما ضروري لبقاء الآخر، ووجودهما معا هو ما يُضفي معنى لكل فعل، فالإنسانية لا يمكن تمثّلها دون استحضارهما معا، ولا يمكن التعبير عن فكرة أو الترويج لقيمة دون نصفين يتقاسمان المصير ذاته، ويتطلّعان لأفق واحد.

نسبية الزمن

وهو أهم عنصر تقوم عليه الرواية، فآرثر يجب عليه مواجهة الفقد والاختفاء مع قصر المدة التي يمنحها له الزمن، وليزا عليها الصبر والانتظار في زمن طويل يفصل بين لقائها بآرثر.

وهنا يتضّح كيف أن استشعار الزمن يختلف من شخص لآخر، كلّ بحسب موقعة وزاوية نظره له، خصوصا عندما يمتزج فيه الواقع بالخيال.

الغلاف

نجد أن النسخة الأصلية تحمل صورة المنارة، المكان الذي انطلقت منه كل الأحداث، بينما نُلاحظ في النسخة العربية، أن صورة الغلاف تُظهر فتاة شقراء، فيما يشبه أنها تنظر من وراء قضبان، على الأرجح أنها دلالة على الزمن الذي يحول بينها وبين الوجود مع نظيرها الروحي.

هذه بعض الملاحظات التي أمكن استنباطها من خلال هذه الرواية، فقد واصل ميسو إبهار القارئ بكثافة المعاني التي ينثرها وسط ذلك الكم الهائل من التشويق الذي يشد الأنظار، والدمج بين الواقع والخيال.

ويمكن الحديث عن أنّ الكاتب وقع شيئًا ما في فخ التكرار، بحيث واصل نسج روايته على نهج التتابع السريع، والتشويق المتتالي، والغموض الذي يلف الأحداث المتداخلة، ثم حلّ العقدة الذي يأتي في شكل نهاية مفاجئة. لكن مع ذلك تبقى من الروايات التي تجعلك تغوص في أعماقها بحثًا عن القادم، وترقبًا لظهور الصورة الكاملة للأحداث.

ويبدو أن الفكرة الأساسية الذي أراد تمريرها هي ألاّ نُفرّط بعيش اللحظة الراهنة لمصلحة الماضي أو خوفًا من المستقل، فوحدها لحظات السعادة هي ما تستحق العيش وكأنها آخر اللحظات.

فقد يعتقد المرء دومًا أنّ أمامه متسع من الوقت وأنه يستطيع تعويض كل اللحظات الضائعة، لكن اللحظة الراهنة هي كل ما نملك في حقيقة الأمر.

وأختم بهذه الجملة المُعبّرة عن هذه الفكرة من ثنايا الرواية: «أدركت أننا اتفقنا على نقطة: أن نعيش اللحظة الراهنة، وألاّ ندع ثقل الماضي ولا يقين مستقبلنا يفسد جمال اللحظة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غيوم ميسو
عرض التعليقات
تحميل المزيد