بدا الأمر كأنه اختراع آلة عبقرية يمكنها أن تحول الحديد إلى ذهب، وفي نفس الوقت تعزف مقطوعات موسيقية جميلة. صنعها إنسان طيب ثم وضعها في الشارع، حيث يمكن لأى شخص من المارة أن يقضي بجوارها بعض الوقت مجانًا، يعبث بأزرارها العديدة ويقوم بتأليف مقطوعته الموسيقية الخاصة، وحينما ينتهي تخرج له تلك الآلة العجيبة قطع الذهب الأصفر الجميل والذي يزيد على قدر جمال وإتقان المقطوعة الموسيقية.

 

قام هذا الإنسان الطيب مخترع هذه الآلة العجيبه أيضًا بوضع طريقة تصميم وتشغيل هذه الآلة في دفتر صغير وأعطاه لكل من طلابه، وجعله متاحًا على شبكة الإنترنت، فتناقله الناس واتبعوا الطريقة بخطواتها حتى تمكنوا ببساطة من استنساخ هذه الآلة، وتصنيعها من جديد، والحصول على قطعها الذهبية الجميلة واللامعة، ومنهم من احتفظ بها لنفسه ومنهم من أسس شركة صغيرة من أرباحها، ومنهم من قلد المخترع الطيب ووضعها على جادة الطريق لمن أراد أن يستفيد منها بغير مقابل.

 

ليست هذه قصة خيالية أو حكاية من عوالم ألف ليلة وليلة بل هو تمامًا ما قام به لينوس بندكت تروفالدز وريتشارد ستولمان ولينوس تروفالذر هو أبو لينكس. ولينكس هو تلك الماكينة العجيبة التي يمكنها أن تنتج قطعًا ذهبية حقيقية وهو نظام تشغيل برمجي لأجهزة الحاسوب وهو مجاني تمامًا يمكن لأي أحد أن يستخدمه ويستفيد منه ويطوره ويحوره حسب احتياجاته واستخداماته.

 

وعلي عكس البرمجيات المدفوعة والتي تقع رخصتها ضمن نطاق ما يعرف بـEULA) End User License Agreement) أو اتفاقية المستخدم النهائي، وهي تعني رخصة للاستخدام فقط، وليس للتملك وببساطة فإنك إذا اشتريت نسخة ويندوز بحدود 500 دولار، فإنك تملك فقد حق الاستخدام لمدة معينة وليس لك حق النسخ أو البيع أو التملك ولا يمكنك الدخول إلى الكود المصدري للبرنامج.

 

ولكن لينكس يقع ضمن رخصة GPL) General Public License) رخصة المشاع العام وهو ضمن مجموعه كبيرة من البرمجيات تسمى FOSS ) Free Open Source Software) البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر. حيث يسلم البرنامج وشيفرة المصدر «Source Code» معًا, بحيث يمكن لكل مستخدم استعمال المنتج لأغراض مختلفة وإمكانية دراسة المنتج وكذلك إمكانية توزيع نسخ من المنتج وحتى إمكانية التعديل ونشر التعديلات.

 

واذا كان بيل جتس قد أسس ميكروسوفت وحقق أرباحًا جعلته يتربع على عرش أغنياء العالم، فإن لينوس تروفالذر وضع لينكس وأطلقه للجميع بدون مقابل مادي، وهو ما دفع الكثيرين لاستخدامه وتحقيق أرباح طائلة من خلاله. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن لينكس هو النواة المصدرية لأنظمة تشغيل أندرويد التي يستخدمها مئات الملايين من البشر حول العالم الآن. وإن عملاقًا كجوجل وفيس بوك وغيرهما من عمالقة التكنولوجيا الآن يقومان على برمجيات مصدرية للينكس وغيرها من البرمجيات المفتوحة، وقد نجحا في جني أرباح طائلة من استخدام تطبيقات اللينكس والتي يمكن أيضًا للمستخدم العادي أن يستخدمها على حاسوبه الشخصي أيضًا.

 

إن لينوس تروفالذز وهو ذلك الشخص العظيم هو الأب الحقيقي الذي يقف خلف تطبيقات عظيمة مثل لينكس وأندرويد وكثير من البرامج العملاقة لولا هذا الرجل ما ظهر الأندرويد ولا جوجل ولا فيس بوك. يقول تروفالدز إنني أعمل وحيدًا في منزلي في غرفة خافتة الإضاءة وليس فيه أي قدر من المؤثرات الخارجية، إنني استخدام حاسوبا لا يعنيني أن يكون كبيرًا أو جبارًا وإنما يعنيني هو أن يكون صامتًا تمامًا لا يصدر أي قدر من الضوضاء، فالنسبة لي تعتبر أصوات مروحة التبريد في الحاسوب هي مصدر من مصادر الضوضاء، لا يمكنني العمل في مكان يوجد فيه أحد من الناس أن الصوت الوحيد الذي يمكنني أن أسمح به هو صوت قطتي، ويضيف أيضًا أنا لا أحب التواصل الشخصي مع الناس وأفضل التواصل معهم عبر البريد الإلكتروني، وهو لذلك طور تلك البرمجيات مفتوحة المصدر والتي يعمل عليها فريق مكون من آلاف المطورين والمبرمجين حول العالم في بيئة تطويرية تقنية عبر شبكة الإنترنت لقد عمل لينوس تروفالز مع الآلاف من المبرمجين، بينما يجلس وحيدًا كما يحب.

 

إن جل المبدعين أمثال تروفالذز لا يجيدون العمل إلا في صمت، إن عنصر العزلة هو عنصر حاسم في كثير من الأحيان للإبداع والتميز.

 

ما السر الذى دفع لينوس تروفالذر وريتشارد ستولمان لصنع تلك الآلة العجيبة وإهدائها لمن أراد من البشر يستخدمها كيف يشاء ويكسب من ورائها ما يشاء؟ أهي صدقة جارية أو لربما كان لينكس أكبر مشروع تشاركي عالمي حقق أرباحًا وأدر أموالًا واستفاد مه كثيرون حول العالم.

 

إنه مبدأ الخير المستمر والمتنامي والمشاع والمتاح لكل من أراد من البشر.

 

يقول تروفالذر في كتابة من أجل المتعة «في مجتمع يوفر للإنسان حاجاته الأساسية من الماكل والمشرب والملبس والسكن يفقد المال دافعه باعتباره محفزًا للإنجاز والاختراع» أن الدافع هنا هو عمل إنجاز وتحقيق الذات وليس أبدًا جني المال أو الأرباح. وفي عيد ميلاده التاسع والأربعين والذي يوافق 28 من ديسمبر (كانون الأول) اكتب هذه الأسطر لأعبر للتروفالدز عن إعجابي وتقديرى ليس فقط من أجل إنجازه الكبير في مجال التكنولوجيا وإنما أيضًا من أجل فلسفته في الحياة.

 

ففي زمن الرسمالية الجامحة وعصر الشركات الشرهة للأرباح والمكاسب يطل علينا أناس أمثال تروفالدز وستولمان حاملين مشاعل النور، ليؤكدوا لنا أن الأخلاق وحب الخير والنفع للناس ما زال بإمكاننا، وأن الأرض ما زالت تمتلئ بملايين البشر أولئك الصالحون الطيبون الذين يفعلون الخير بلا مقابل ويتحلون بمكارم الأخلاق من غير انتظار النفع والعائد. ما زال هناك من يفعل الخير من أجل الآخرين وفقط ليسعد إخوانه في الإنسانية.

 

لقد ألهمتنا سيد تروفالدز وعلمتنا درسًا بليغًا لا ينسى أبدًا، علمتنا كيف تكون الصدقة الجارية وكيف يكون النفع الناس الذى يشمل كل البشر ولا يفرق بين البشر على أساس اللون أو الدين أو الجنس. وكيف يمكن لشخص واحد أن يغير وجه العالم وينتفع بعلمه وعمله الملايين من سكان الأرض.

 

ما أحوج اليائسين والمتشائمين والانهزاميين أن تلهمهم حياة تروفالدز أن يبحثوا في سطور حياته عن الإبداع والإنجاز من الصفر.

 

لم يملك تروفالدز أموالًا أو عقارات أو مزارع أو أبراجًا، لكنه كان يملك العقل والعزيمة والإصرار والأمل والتفاؤل وحب الخير لكل البشر. وإن كان تروفالدز قد حقق حلمه وصنع أسطورته واكتشف كنزه فماذا عنا نحن؟

 

اللهم ارزقنا حلمًا يتجسد عملًا ويحقق إنجازًا، ويكون لنا كنزًا ترضى به عنا، ونلقاك به فتغفر لنا وتمن علينا برضوانك وفضلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد