لطالما أعجبني شعر المتنبي، وبراعته في وصف الحال في أبيات أراها تلبس المواقف أحيانا في دقة أمهر من دقة خياط قام بتفصيل ملابس بقياسات دقيقة حتى أتت ملائمة لصاحبها.

أراني أحيانًا متعجبة في موقف لا أملك فيه الوصف الكافي لما بداخلي، فاستذكر أبياتًا من شعر المتنبي وغيره تبوح عما أخلجه في خاطري ببضع كلمات فقط.

يقول المتنبي في بيت من الشعر:

إذا رأيت نيوب الليث بارزة … فلا تظنن أن الليث يبتسم

فالكثير منا قد وُضع موضع الرائي لأنياب الليث وعلم أنه لا يبتسم له، فنعلم أحيانًا أن من أمامنا لا يكن لنا نفس المشاعر التي يوضحها علنا، لكن لا ضرر علينا من هذا ما دامت المشاعر المناقضة لما ظهر لنا لن تؤذينا.

إن ما يرعبنا هو شراسة الأنياب البارزة من ابتسامته، لوضوحها وعلمنا بما تحمله لنا، لكن ما يجب عليه أن يرعبا أكثر هو عندما لا نرى أنيابه حين يتبسم!

لعلها تساقطت، أو أن ابتسامته كانت باهتة فلم نر أنيابه، أو أنها كانت أطول من يوم صيفي حار لكننا لم نرد أن نراها! فكيف لنا أن نعلم أن هناك عضات شرسة قادمة لنا من ابتسامة لم نلمح بها أية نوايا سيئة!

لا أحبذ فرض سوء النوايا أبدًا، لكننا أيضًا لمن نعد ندري كيف نرتب صفحات حياتنا بعد صفعة قوية من ابتسامه صفراء من شخص قريب، فيتوجب علينا أن نبدي حرصنا الشديد عندما نجهل التمييز بنوايا هذه الابتسامة أو الأصح قولنا بأننا لم ننظر أبدًا لهذه النوايا ولم نحاول تحليلها أو تفسيرها لأننا أعطيناهم تأشيرة الدخول إلى حدودنا الشخصية بدون أن ندرسهم جيدًا أو نراجع أوراقهم، وحرصنا من عابر طريق مر يوم ببابنا دون أن نفسح له المجال الواسع بأن يتعمق بنا لكنه كشر عن أنيابه فجأة وقام بعضنا، فالصفعات التي تأتي على غفلة تضيعنا كثيرًا أيضا،في عقاب أنفسنا بأننا منحنا بابًا لعابر طريق ذات مره فقام بزعزعتنا.

فكل ما علينا فعله هو توخي الحذر، يقول هربرت جورج ويلز كاتب إنجليزي: «لسنا في حاجة للشجاعة في هذا التوقيت بل نحن في حاجة إلى الحذر».

بالطبع نحن لا نخاف من عضة عابر الطريق الذي لا يملك من وسائل الضرر المؤلمة شعوريًا أكثر منها جسديًا أي شيء مقارنة بمن حفظنا عندهم نقاط ضعفنا ثم استخدموها ضدنا فأوجعونا لأننا لم نكتف بتصديق ابتسامتهم فقط بل أحببناها، فأكثر العضات إيلامًا تأتي من ابتسامة صديق أخفى أنيابه جيدًا، فأصابت غادة السمان حين قالت: «الصداقة فخ، إنه الفخ الوحيد الذي نصنعه أحيانًا بإتقان، لذا فإننا حين نسقط فيه، يكون السقوط موجعًا حقًا، من هنا صرت شديدة الحذر في صداقاتي، شديدة الدقة في الاختيار».

لم تنف السمان نيتها في اكتساب الصداقات أو حتى إطلاعهم على نقاط الضعف، بل أصبحت شديدة الدقة في الاختيار، لأننا لا نستطع كتمان ما يؤلمنا فنبوح به لصديق، فالإنسان بطبيعته لا يستطيع العيش بمعزل عن وعاء صداقي يفضي به ما يكدر خاطره وما يسره، فإن أصعب ما قد يجابهه هو أن يفلس من الأصدقاء، فوصف المتنبي المكان الذي يعيش به المرء دون أن يعثر على صديق بالمكان السيء فقال: شر البلاد بلاد لا صديق بها.

ومن هذا المنطلق، عليك توخي الحذر عند اختيار من يصادقه قلبك، اختر من ترى في ابتسامته النقاء والوضوح لك، ابتسامة لا تحمل أية احتمالات بوجود أنياب شرسة مختبئة، حتى لا تفجع به لاحقًا، أما عن ابتسامات الغرباء أو أنيابهم الخفية فلا يسعنا أن نعلمها أو نتهيأ لها سوى بالحذر وعدم الاقتراب كثيرًا، بكل الأحوال عضة الصديق تترك أثرًا لا يمحيه الوقت بينما عضة الغريب عبارة عن مسألة وقت.

لكن عليك أن تحذر في حذرك أن يكون مبالغًا فلا يبقى لك ابتسامة حمل وديع ظننت أن أسنانه قد تخونك يومًا، فكما قال روجر فريتز أحد أكبر علماء النفس: «الحذر المبالغ فيه يكون أسوا من مغبات المخاطر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد