وما زلنا مع قصة الانقلاب العسكري في فيلم «الأسد الملك»؛ فبعد أن رأينا في الجزء الأول «كيف تصنع انقلابًا عسكريًّا ناجحًا» كيف نجح المنقلب «سكار» دون أن يملك أيًّا من مقومات النجاح، وكيف سقط الحاكم الشرعي «موفاسا» رغم امتلاكه كل مقومات البقاء، نأتي الآن لمرحلة ما بعد الانقلاب «مرحلة الحكم» لنرى كيف تناولها الفيلم.

على عكس مرحلتي القيام والسقوط، وبالرغم من كونها هدف الانقلاب الأساسي وغايته، تتَّسم مرحلة الحكم بأنها ليست مرحلة صريحة قائمة بذاتها؛ فلا يخطط لبدئها، إذ تبدأ تلقائيًا فور نجاح المرحلة الأولى، كما لا يُبذل أي نشاط لضمان استمرارها، إذ تظل مستمرة إلى أن يقرر «أحدهم» بدء المرحلة التالية؛ فهي في حقيقتها أشبه بالفجوة بين مرحلتي القيام والسقوط، وبالتالي لن نجد فيها عِبَرًا ودروسًا وتكتيكات ملهِمة كما في أخواتها، وإنما فقط ملامح وسمات أبدع الفيلم في رصدها وتمثيلها بجزالة وعمق مدهشين.

بداية وبحرفية شديدة، وزَّع الفيلم أحداث المرحلة على مسرحين متوازيين، الأول هو «أرض المهجر» حيث فرَّ «سيمبا» الوريث الشرعي للحكم، والثاني هو «أرض العزة» حيث مسرح الانقلاب الرئيسي وساحة حكمه.

ولكن قبل أن يبدأ الفيلم في رصد المسرحين ألقى برسالته الأولى والخطيرة عبر مشهد قصير جدًا غاية في الدلالة والتركيز: حيث انزوى «قرد البابون» (رمز الجانب الروحي) داخل كهفه وقام بطمس صورة «سيمبا» من جدار الكهف! وهو ما يعني رفع «الدين» يده تمامًا عن تلك المرحلة، وخروجها -بمسرحيها- بالكامل من الانتساب إليه والتمسُّح به!

المسرح الأول: «أرض المهجر»

يلتقي «سيمبا» بالثنائي المبهج «تيمون وبومبا»، وحين يعرضان عليه تقديم المساعدة يخبرهما أنه بحاجة إلى تغيير الماضي، وهو ما يعني أن «سيمبا» -حتى تلك اللحظة- كان مدركًا تمامًا حقيقة مشكلته ولعجزه عن تقديم الحل الوحيد لها «وهو إزالة الانقلاب».

وهنا يقدم له رفاقه الجدد حلًا بديلًا ملخصه: «لما الدنيا تدَّيك ضهرها، إدَّي ضهرك للدنيا»، وعنونوه بلفظة معبرة جذابة: «هاكونا مطاطا»؛ وهو ما يراه «سيمبا» العاجز خلاصًا سحريًا من كل الاستحقاقات المطلوبة دفعة واحدة!

ولكن لم يكن هذا الحل بدون ثمن! فحين أحس «سيمبا» بالجوع طلب طعام الأسود المعهود «فيل، سيد قشطة، بقر»، فأخبره صاحباه بقاعدة «أرض المهجر» الحاسمة: «إن كنت ناوي تعيش هنا، لازم تاكل من أكلنا»، ثم أخرجا له بعض الديدان والحشرات، والتي امتعض منها في البداية قبل أن يجبر نفسه على تناولها، لينتهي به الحال باستساغتها واستحسانها وترديد مقولتهم: «مِظَفْلَتَه، بس تِمْلَى التانك».

وهنا يرسل الفيلم برسالته الثانية: من يحيا حياة الخنزير لا يأكل طعام الأسود!

ثم يمضي «سيمبا» خلف صاحبيه في مسيرة راقصة تتغنى بفلسفة «هاكونا مطاطا»، فتتعاقب عليه السنون، وينتقل من الطفولة إلى الصبا ثم إلى الشباب في ثوان قليلة؛ ليوضح لنا الفيلم رسالته الثالثة: عندما تحيا خنزيرًا، فسيمضي كل يوم مثل أي يوم، ولن يكون هناك ما يستحق الذِكر!

المسرح الثاني: «أرض العزة»

ثم ينتقل الفيلم مباشرة إلى مسرح الأحداث الثاني عند النقطة الزمنية نفسها التي انتهى إليها المسرح الأول؛ ويبدأ بمشهد بليغ جدًا، حيث «زازو» -مستشار «موفاسا» وأحد رجال النظام القديم- محبوسًا في قفص يتغنى بمظلوميته ويتوعد الظالم بيوم الحساب، فيما «سكار» -قائد الانقلاب- يتسلَّى بالاستماع إليه، بل يطلب منه أغنية أخرى!

ولكن عندما يذكر «زازو» اسم «موفاسا» يثور عليه «سكار» ويذكره بالقانون الذى يُجَرِّم ذكر هذا الاسم، ويؤكد -بلا أي مناسبة في الحقيقة- أنه هو ملك الغابة؛ ليذكرنا الفيلم أن المنقلب مهما طال به الزمن فسيظل بحاجة إلى تأكيد شرعيته اللقيطة أمام الآخرين!

ثم تأتي الضباع -سدنة الانقلاب- إلى «سكار» تشكو له الجوع والعطش، وتتهامس مع بعضها أن حالها أيام «موفاسا» -عندما كانت منبوذة- كان أفضل بكثير من حالها بعد أن آلت إليها الأمور!

وحين يسائل «سكار» «سارابي» زوجة «موفاسا» وقائدة عشيرة الأسود عن الطعام تخبره بأن القطيع ترك أرض العزة ورحل؛ وأكاد أجزم للمرة الثانية أن القطيع ما رحل إلا وراء المرعى دون أن يعي من مستجدات الأمور شيئًا!

وهنا يجب علينا أن ننوه بالفترة الزمنية التي أغفلها الفيلم تمامًا، وهي الفترة منذ تسلم «سكار» زمام الحكم وحتى هذه اللحظة؛ فعلى الرغم من عدم إشارة الفيلم إليها صراحة إلا أن السياق يوضحها بكل سهولة ويسر.

فقد استولى «سكار» على مملكة «موفاسا» بكل مقدراتها ومواردها وأهلها، ولكن كان على الانقلاب فاتورة مستحقة الدفع لمن قاموا به، ولم تكن الضباع -سدنة الانقلاب- على استعداد للتخلي عن تلك الاستحقاقات مهما كان. فأطلق لهم «سكار» العنان، فصالوا في أرض العزة فسادًا، وجالوا يشبعون شهواتهم التي لا تزيدها السلطة والدماء إلا اضطرامًا، فهلكت الأنفس وحل الجدب ورحل القطيع، ولم يتبق في أرض العزة إلا الخراب!

ونستطيع أن نلخص رسائل مسرح الأحداث الثاني كما يلي:

الرسالة الأولى: تَغَنِّي المظلوم بمظلوميته لا يمثل بالنسبة للظالم إلا مادة للتسلية والترفيه.

الرسالة الثانية: في ظل الانقلاب الكل سيعاني، حتى من قاموا بالانقلاب أنفسهم!

الرسالة الثالثة: الوحيد الذي يحقق مكسبًا حقيقيًّا من جراء الانقلاب هو قائد الانقلاب، وما عدا ذلك فالكل خاسرون!

وكأن شعار هذه المرحلة برمتها: «يبقى الحال على ما هو عليه، وعلى المتضرر أن يفعل شيئًا!»؛ وهو ما يؤكد مع قدمناه للمرحلة بأنها فجوة بين مرحلتين، وأنها مهما طال بها الزمن فما كانت لتنتهي لولا تلك الشرارة التي انطلقت في مسرح الأحداث الأول، والتي أشعلت فتيل المرحلة الثالثة والحاسمة، مرحلة إسقاط الانقلاب، والتي سنفرد لها مقالًا لاحقًا بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات