في زيارة خاطفة للنجم الأرجنتيني ليونيل ميسي لبلد الفراعنة استمرت سبع ساعات انقلبت فيها مصر رأسًا على عقب، وكأن الراحل جمال عبدالناصر قد بثّت فيه الروح فقام من مرقده بزيارة مفاجئة ليرى مقدار محبة المصريين له! أو كأن أحلام المصريين استقلّت موكبًا ومرّت تلوح على استعجال! وقد أظهر ميسي المكير براعته في التخفي كما عهدناه، حيث راوغ مرتين على مجيئه ثم سدد زيارة خطافية تراقصت لها حسناوات مصر وصفقت لها جماهير مصر الغفيرة.

وقد استنفرت الوسائل الإعلامية وهبّت كوادرها تسابق الزمن لالتقاط الصور وتوثيق اللحظات التاريخية في تغطية ضخمة لا تقل عن توافد الحشود البشرية والتجهيزات الأمنية التي صاحبت تلك الزيارة، ورغم أن الزيارة لم تتعد السبع ساعات إلا أنها أثارت الجدل والرأي العام، واختلفت حولها شرائح المجتمع وطبقاته، وقد تباينت الآراء بين من يرى أن في إقدام ميسي على الزيارة دلالة على استتباب الأمن، وبين من يرى المبالغة في استقبال لاعب الخفة وإعطائه أكبر من حجمه الذي لا يتعدى 70 كيلو غرامًا، وبين من يرى أن مصر بثقلها التاريخي والسياسي أكبر من أن تهزه زيارة للاعب أو فنان جاء من أجل المال.

وهل تحتاج مصر من الفتى الذهبي أن يثبت للعالم أنها آمنة؟! وماذا ستستفيد مصر بلد الحضارة من رجل ميزته الوحيدة التفنن في مداعبة الكرة وجلدها وترقيص اللاعبين وركل المدورة بالأرجل ونطحها بالرأس بين ثلاث قوائم؟!

وهل سيستطيع ميسي بطل العالم بمهارته وسرعته الفائقة أن يخترق العقبات ويحقق هدفـًا واحدًا لبلد الفراعنة؟!

إن الأمر يا معشر السادة له تجليات أبدت ما كان مخفيًا، لقد وصل الحال بأمتنا العظيمة أن خرجت عن بكرة أبيها لتستقبل نجمًا كرويًا أو غنائيًا، في حين أنها لا تأبه لزيارة مفكر أو مبتكر أو عالم، وإن زارها فلن يجد من يعرف قدره تمام المعرفة، فضلاً عن أن يقدم له الحفاوة والترحيب.

هل تعلم أخي القارئ أن ما تقاضاه البرغوث الأرجنتيني في سويعات يساوي تقريبًا ما يقبضه 30000 معلمًا مصريًّا يكدون شهرًا كاملاً يبنون الأجيال!

يا ميسي مهلاً، وعلى رسلك؛ فأنت في بلد الحضارة والرجال والمفكرين والمبدعين، ومهما حظيت به من مبالغة الضيافة فلست بأعظم من فراعنة مصر الذين نحتوا الصخر فجعلوا منه أعجوبة العالم! ولست بأعظم من منارة الثقافة وقبلة الأدب وأول عربي حاز على جائزة نوبل في الأدب نجيب محفوظ!

ولست بأعظم من البرفسور أحمد زويل الذي أثر في النهضة الغربية؛ وقام بنشر حوالي ثلاثمائة وخمسين بحثًا علميًا في المجلّات العلمية المتخصصة بالكيمياء، وعلوم الفيزياء، حتى ضُمّ إلى قائمة أهم العلماء في العالم مع علماء عظام أمثال: أينشتاين، وأديسون!

ولست بأعز علينا من فلاح بسيط يمضي نهاره يتصبب عرقـًا بين الحصاد والحرث ويمسي وقد أنهكه الكدّ على صبية كالفراخ ينتظرون بفارغ الصبر لقمة يسدون بها جوعهم وأبًا يؤنس وحشتهم ويشعرهم بالأمان!

ولست بأعز علينا حتى من رفقاء مهنتك عصام الحضري أو من أبناء الحسن أحمد وحسام، والسلسلة تطول بأسماء أضافوا لرصيد مصر الكروي ومثّلوها قاريًّا وعالميًّا!

إن الأمر يا أهل الحضارة ليس نقدًا على استقبال نجم كروي، بقدر ما هو استياء من الهالة الإعلامية والبشرية والمواكب الملكية التي صاحبت تلك الزيارة، فمصر لها قدر كبير ولا ينبغي أن تهزّه زيارة عابرة لحنجرة رخيمة أو قدم ذهبية لم تأت إلا من أجل تحقيق أهدافها المادية.

أفيقوا يا أبناء الفراعنة، فليس ميسي من يربك خير أجناد أهل الأرض!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رأي, مجتمع, ميسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد