ظلت منطقة الريف المغربي أرضًا خصبة للبطولات والأبطال طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. إذ كانت خير شاهد ودليل على جرائم المد الإمبريالي الأوروبي في الشمال الأفريقي، والذي قوبل بمقاومة شرسة من قبل الشعوب في تلك البلاد ولا سيما منطقة الريف شمال المغرب.

فرنسا وإسبانيا يبيتان النية للسيطرة على المغرب

عقب الاحتلال الفرنسي للجزائر أصبحت المغرب أقوى ظهير للمقاومين الجزائريين وعلى رأسهم الأمير عبد القادر الذي كان يلجأ كثيرًا إلى الأراضي المغربية ليحصل على المدد من المال والسلاح، وكان يجد فيه مكانًا آمنًا يحتمي به بعض الوقت. وعندما تنبهت فرنسا لذلك وجدت الفرصة سانحة لتنفيذ مخططها في المغرب لإخضاعه، فكانت (حرب أسلى) 1844 والتي هاجمت فيها المغرب عن طريق ضرب موانيه وبعد هزيمة الجيش المغربي بأدواته التقليدية في تلك المعركة أعطت فرنسا لنفسها الحق في التدخل في الشأن المغربي والسيطرة على مناطق الحدود الجزائرية المغربية. هذه الأوضاع شجعت إسبانيا العدو الاستراتيجي للمغرب على الإسراع للتأكيد على نصيبها في الكعكة المغربية فأسرعت باحتلال الجزر الجعفرية (جزر أشفارن) ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى 1847 لتتمكن بعد ذلك من شن حرب واسعة على المغرب، فكانت حرب تطوان 1859 أو الحرب الإسبانية المغربية والتي كانت تسعى من خلالها إلى كسر شوكة المقاومة الإسلامية في المقام الأول وكذلك التغطية على تخبط سياستها الداخلية وتعويض خسائرها الاقتصادية الفادحة من خلال السيطرة على مناجم الحديد في منطقة الريف وإجبار المخزن المغربي على دفع إتاوات للحكومة الإسبانية. نتج عن انتصار إسبانيا في تلك الحرب احتلال تطوان وتوسيع نفوذ إسبانيا في سبتة ومليلة كما فرضت على المغرب معاهدة (واد رأس) 1860 والتي جاءت لتحقق كل أهداف إسبانيا الدينية والاقتصادية والعسكرية التوسعية والتي أعادت للأذهان كل جرائمها إبان سقوط الأندلس.

لم يستسلم المغاربة وعلى رأسهم الريفيون لتلك الهزيمة ولم يستجيبوا لبنود تلك المعاهدة أو الحملات التي شنها عليهم السلطان لتأديبهم وإنما أخذوا يشنون الهجمات على الحصون الإسبانية دون هوادة حتى وقعت حرب الريف الأولى 1893 بين إسبانيا وجل القبائل الريفية بعد مقتل حاكم مليلة الإسباني وانتهت بإلزام المغرب بدفع المزيد من التعويضات المالية وتعهد السلطان بتأديب الأقاليم الشمالية.

الشريف محمد أمزيان والبداية الحقيقية لثورات الريف

عقدت القوى الأوروبية الاستعمارية مؤتمر الجزيرة الخضراء 1906 لبحث المسألة المغربية وتقاسم أراضي المملكة بعد وضعها تحت الحماية. وكانت تلك القوى قد تفاهمت فيما بينها فضمنت فرنسا حياد بريطانيا وإيطاليا في المغرب بعد أن تنازلت لهما عن مصر وليبيا.

في تلك الفترة بزغ نجم المجاهد الريفي الشريف محمد أمزيان والذي توفرت فيه كل خصال القائد الفذ الذي يحظى بثقة الناس واحترامهم. كان لأمزيان دور كبير في تنظيم القبائل وتوحيد صفوفها وحاول أن يستميل سلطان المغرب لكن السلطان لم يجبه فعاد إلى الريف ليخوض مع القبائل ثورة مستمرة حتى وفاته 1912. ولعل أهم ما نجح فيه أمزيان هو التصدي للجيلالي الزرهوني (بو حمارة) الذي كان عميلًا للفرنسيين والإسبان وسعى أن يسلمهم الريف وما به من ثروات. لذلك استهدف أمزيان (بو حمارة) ومن معه من رجال وكل الذين يعملون في المناجم لصالح المحتلين. لم يكن أمزيان يمتلك إلا القليل من الإمكانيات والأسلحة لكنه تمكن من فعل الكثير فهزم ورجاله فرقًا إسبانية كبرى وجنرالات كبارًا وآلاف الجنود.

في نفس العام الذي توفي فيه أمزيان وقع السلطان المغربي (معاهدة فاس) التي أكدت على فرض الحماية أو الوصاية على المغرب فكان جنوب المغرب وشماله (الريف) من نصيب إسبانيا وأصبحت طنجة منطقة دولية بينما سيطرت فرنسا على باقي مناطق المغرب.

الريسوني إمبراطور الجبل

اختلفت الأقوال حول هذا الرجل الثائر المجاهد واختلطت الأساطير حوله بالحقيقة، لما عرف عنه من الصرامة والذكاء والجرأة والشجاعة المتناهية التي حيرت القوى العظمى الإمبريالية وجعلتهم عاجزين عن النيل منه. ولقد حاولت إسبانيا وفرنسا تشويه سيرته ووصمته بالقرصنة لأنه كان يعمل على توفير ما يحتاجه ثوار الريف من سلاح وذخائر. لكنه ظل على الرغم من ذلك بطلًا شعبيًا كبيرًا في ذاكرة المغرب. وقد تمكن الريسوني من بسط سيطرته الكاملة على الريف الغربي أو منطقة (جبالة). وكانت القبائل تشهد له بالاستقامة والشهامة مما جعل كلمته مسموعة لدى الجميع حتى وفاته. كبد الريسوني الاحتلال خسائر فادحة ولعل أبرز ما اشتهر به تمكنه من أخذ بعض الشخصيات الهامة كرهائن مثل الصحفي والرحالة البريطاني (والتر هاريس) والذي زار المغرب فوقع في قبضة الريسوني لتكون حريته مقابل حرية خمسة من رجال الريسوني وكانت أي رهينة تقع تحت يده تعامل أفضل معاملة حتى يتم تحريرها وفقًا لشروطه.

الخطابي والمارشال محمد أمزيان

لم يكن الخطابي معاديًا لقوى الاحتلال في بلاده لفترة كبيرة من عمره بل كان جزءًا من تلك المنظومة ومن المقربين للمقيم العام الإسباني الذي رقاه إلى منصب قاضي القضاة بمليلة وهو لم يتجاوز 32 عامًا وهي أرفع درجة في سلك القضاء الخاص بالساكنة المسلمة بالمدينة. وكان الخطابي قد درس القانون الإسباني بالجامعات الإسبانية لمدة ثلاث سنوات.

لم يمنع ذلك كله الخطابي من التفكر وتقييم ما وصل إليه. فتربيته الكريمة وأسرته العريقة وتعليمه القرآني جعلوه يعيد النظر في فكرة التعايش السلمي مع الظلمة والمستبدين والتي آمن بها سنوات حتى أنعم الله عليه برفض هذه الحياة ونبذها ليبدأ حياة أخرى شعارها الجهاد والحرية.

ولعل نقطة التحول الرئيسية في حياته كانت سجنه عام 1915 بتهمة التخابر مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم من أنه لم يمكث في السجن سوى ١١ شهرًا – خرج بعدها ليمارس عمله قاضيًا للقضاة في مليلة – إلا أنه تولد لديه وعي حقيقي بالاضطهاد والظلم الذي يمارسه الاستعمار ورجاله على المغاربة في كل مناحي الحياة. ذلك بالإضافة إلى ازدياد التجبر الإسباني والخطط الاستعمارية لنهب منطقة الريف والتوسع في المواقع العسكرية ونشر الآلاف من الجنود في تلك المناطق مما جعل شيوخ القبائل وعلى رأسهم الخطابي الأب يقفون في وجه نظام الحماية الإسبانية الذي هدد معاشهم ومراكزهم داخل القبائل واصطدموا معه صدامًا عنيفًا بعد أن كانوا من قبل مجرد محايدين له أو رافضين.

حاولت إسبانيا التفاهم مع محمد عبد الكريم الخطابي ومساومته أو إغراءه بالمال والمناصب لكنه رفض فبدأت إسبانيا التوغل أكثر فأكثر داخل العمق الريفي، وأخذت تعد العدة لوأد ثورة الخطابي في مهدها. وكان الريفيون بقيادة الخطابي قد كبدوا الإسبان خسائر فادحة معتمدين على حرب العصابات.

وتعد معركة (أنوال) 1921 أكبر وأهم انتصار يحققه الريفيون بقيادة الخطابي حتى إن الإسبان أسموها كارثة أنوال. في تلك المعركة انتصر الريفيون بأسلحة بسيطة وتخطيط محكم انتصارًا ساحقًا وحاسمًا وهزم الجيش الإسباني هزيمة شنعاء وصل صداها إلى العالم أجمع حتى إن الجنرال المتغطرس (مانويل سلفستري) صديق الملك توفي منتحرًا على أثرها. وكان الخطأ الكبير الذي اقترفه الخطابي وقتها كما اعترف في مذكراته هو عدم التقدم لاسترداد مليلة المحتلة منذ أواخر القرن الخامس عشر. بعد تلك المعركة رأى الأمير الخطابي أن الوقت قد حان للاستقلال وإعلان جمهورية الريف وعاصمتها أجدير والتي صمدت حتى عام 1926. وقد سقطت الجمهورية الوليدة بعدما تحالفت بريطانيا مع إسبانيا وفرنسا للقضاء على المقاومة الريفية التي أخذت تتمدد حتى وصلت إلى مناطق الحماية الفرنسية. فكان إنزال (الحسيمة) وهي أول عملية إنزال من نوعها في التاريخ العسكري بهدف حسم المعركة. وقامت المدفعية البحرية والطيران الحربي بقصف الريف قصفًا عنيفًا واستخدموا الأسلحة الكيميائية مثل غاز الخردل الذي تم إسقاطه من الطائرات. فرأى الخطابي بعد هذه المجازر أن يقوم بتسليم نفسه للفرنسيين كأسير حرب ليجنب أهله المزيد من الويلات. وتم نفيه إلى فرنسا حتى عام 1947 انتقل بعدها إلى القاهرة والتي عاش فيها حتى وفاته 1963.

خلال حروب الريف ظهر وجه مغاير ومناقض لتلك الوجوه الطيبة المجاهدة هو وجه المارشال المغربي الإسباني محمد أمزيان الذي ولد في الريف المغربي لكنه تنكر له وارتمى في أحضان الإسبان وأراد أن يكون واحدًا منهم فالتحق بالمدارس العسكرية الإسبانية وتخرج فيها، وترقى في الرتب حتى أصبح أول جنرال مسلم في التاريخ العسكري الإسباني.

شارك أمزيان في حروب الريف مع الجانب الإسباني ووقف ضد أبناء عمومته الريفيين بزعامة الخطابي أستاذه السابق. ليس هذا فحسب إذ عمد في فترة لاحقة على تجنيد العديد من أهل الريف البسطاء والمغيبين للقتال إلى جانب صديقه الجنرال فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية 1936 – 1939 ليموتوا في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل بعد أن أغراهم بالمال والمواطنة الإسبانية التي لم يحصلوا عليها أبدًا بالطبع باعتبارهم (موروسًا). بعد استقلال المغرب عاد أمزيان إلى موطنه ليمارس عمله هذه المرة من داخل الجيش المغربي ويقوم للمرة الثانية بمذبحة بشعة ضد أهله في الريف 1959 نال بعدها أعلى رتبة عسكرية لتفانيه في خدمة الوطن ليصبح أول وآخر مارشال في تاريخ الجيش المغربي. كما توج بأكبر الأوسمة الإسبانية ومنح الصليب الأعظم للاستحقاق العسكري.

خاتمة

كان صمود الريف أمام أكبر القوى الإمبريالية حالة فريدة في تاريخ النضال الشعبي. فقد صمد الريفيون أمام مارشالات وجنرالات إسبانيا وفرنسا المدعمين بآلاف الجنود والطائرات والمدرعات ليضربوا لنا أروع الأمثلة في الصمود والجهاد. لقد واجه أسود الريف ضباعًا لا شرف لهم ولا ذمة لكنهم أبدًا لم يرضخوا لهؤلاء بكل ما لديهم من صلف وجبروت واختاروا أن يعيشوا حياة مليئة بالانتصارات والانكسارات ولكنهم يقينًا قضوا وهم منتصرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد