«لا تكن بلا حب؛ كي لا تشعر بأنك ميت، مُت في الحب وابقَ حيًا للأبد»، هكذا قال مولانا «جلال الدين الرومي».

اليوم أضحت العلاقات الإنسانية والعاطفية سائلة، ومائعة، من حولنا عن ما كانت عليه في السابق، تقف صفحات هذا الكتاب – الحب السائل – شاهدة ومعبرة عن أزمات مجتمعاتنا، وهي تدعي الرقي، دون وعي منها بالمأْزق الذي وقعت فيه. مرور، عبور، سيولة، تأرجح، وكأن القلوب باتت تدخل بوابة الحب لتخرج منها بحثًا عن علاقة عابرة أخرى. من الحب تحت شعار «تواعدنا ألا يفرقنا إلا الموت» إلى الحب تحت شعار «الرغبة والأمنية».

فكرة الحب السائل أو الحب فى زمن بعد ما بعد الحداثة، وتفكك الروابط الأسرية، وروابط القربى والصداقة فى زمن أصبحت فيه (العلاقات الوهمية أو العلاقات الالكترونية) أكثر أمانًا، وأكثر صدقًا من الروابط الحقيقية، يكشف لنا «زيجمونت باومان» ببراعة النقاب عن الوجه الخفي للحياة السائلة ذات العلاقات الإنسانية الهشة التي تميز نمط الروابط في مجتمعاتنا الحداثية، حيث يحاول تفكيك خطاب هذه العلاقات، ويبين زيف التعاطي عبرها، ولقد كبرت العلاقات على الإنترنت عبر مواقع التواصل الاجتماعي على حساب الأشخاص، لكن تبقى ميزة هذه العلاقات الافتراضية كما وصفها أحدهم يمكنك دائمًا أن تضغط زر Delete.

يرصد كتاب (الحب السائل) مدى هشاشة العلاقات الإنسانية، وكيف دمرت ما تتسم به العلاقات الوجدانية من ديمومة وعفوية – تلقائية -عاطفية كما يرصد صيغ البحث عن الفائدة والخيارات الرشيدة، حيث يرى باومان أن التأقيت والمدى القصير، اللذين تقوم عليهما حسابات المجتمع الاستهلاكي الحديث، يقومان بتوليد الحاجات بشكل مستمر، وتحويل كل قديم إلى شيء مستهجن يستحق أن يوضع في سلة النفايات، بما في ذلك المشاعر والأجساد والصلات. وحسب «د. هبة رؤوف عزت» في تقديمها للكتاب «يأخذنا باومان في رحلة تبدأ من الفلسفة لتدخل في صلب الاجتماع ثم تنتهي بالسياسة». فباومان يسعى إلى فهم طبيعة «الحالة السوسيولوجية» التي تعيشها مجتمعاتنا، ويريد هنا أن يبيّن تجليات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية. وبدلًا من «العلاقات»، استخدم باومان «الصلات والاتصالات» إذ يرى إن «العلاقات» هي وصف عميق يعكس خيارات اجتماعية مركبة ومعقدة، ولها ثمن في مجتمع متلاحم، في حين أن إنسان الحداثة السائلة، يقرر أنه لا يرغب في دفع الأثمان، ولا استثمار الوقت، ولا التضحية؛ كي يحصل على مزايا التواصل الاجتماعي،
وفي ظل تنامي السيولة في كل شيء من حوله، وتحول «المجتمع» إلى مجرد «تجمع بشري»، تحوّل هذا الإنسان من وضوح العلاقات «الاجتماعية» إلى غموض الصلات العابرة.

ويرجع باومان ذلك للعديد من الأمور أهمها حالة السيولة المطلقة التي نعيشها فى هذا العصر، فتغير المفاهيم الصلبة القديمة التي اعتدنا عليها، ومثلت حجر الزاوية والأساس فى العلاقات البشرية، قد تغيرت تمامًا، وقد أوضحت ذلك، وأشرت إليه في المقال السابق ( السيولة وظواهرها..نافذة على فكر باومان) فمفهوم الأسرة الصلب الذي كانت الإشارة إليه فيما مضى تعني اللبنة الأساسية للمجتمع التي تتكون من أب وأم وأولاد، سواء بشكل بيولوجي أم عبر التبني، ولكن فى عصرنا الحالي فإن مطاطية المفهوم قد تحولت لتعبر عن حالات كثيرة، ففي حالة قبول الشذوذ قانونًا ومجتمعيًا فيمكن أن تكون هنالك أسرة مكونة من فتاة وفتاة، أو رجل ورجل ويمكنهم تبني الأبناء وممارسة دور الأسرة الذي ما لبث هو الآخر أن تغير فتفككت الروابط الأسرية نفسها، وعاد البيت، وهو الفضاء الذي مارست فيه الأسرة دورها تاريخيًا، ليس سوى فضاء توجد فيه الكثير من الفواصل بين الأفراد الذين يعيشونه, وقد دلل باومان على ذلك على مثال أن الشوق للعودة للمنزل فى حالة سفر لا تعني تمامًا الشوق للأسرة، فقد يذهب الفرد مباشرة لغرفته، والتي تصبح كينونة منفردة ضمن الكينونات العديدة .

بعد ذلك انتقل للحديث عن المجتمعات المفككة، والتي ينتج عنها تفكك فى سياسة العمران، والمدن الحديثة التي تتحول أطرافها إلى مراكز لمجتمعات مسورة من أبناء الطبقات العليا بحيث تجعلهم هم أبناء النخبة العولمية بعيدين عن مشاركة نفس الفضاء الفيزيائي مع الطبقات الأقل التي لا تتمتع بالخدمات، ولا بالمستوى الاجتماعي الكافي؛ لذا فهي مجتمعات تعيش فى فضاء محلي تمامًا، مثالًا على ذلك كما في رواية «يوتويبا» للرائع «أحمد خالد توفيق».

كم يعوزنا فهم التفسير التالي للفارق بين الرغبة والمعنى الحقيقي للحب؛ لأن معظم العلاقات التي نطلق عليها علاقات حب أصبحت تمثل الغالبية العظمى منها هذا التصور..يقول باومان «إن الرغبة والحب شقيقان، وأحيانًا يولدان توأمًا، لكن لا يمكن أني يكونا توأمًا متماثلًا»، فالرغبة (والتى تمثل أغلب العلاقات فى زماننا الحالى)، هى اشتهاء الاستهلاك، لا لرغبة إلا الإشباع والالتهام والابتلاع والهضم، أما الحب هو الحرص والرعاية، إنه قوة تتمدد وتتجاوز حدود الشهوة والرغبة فى الإشباع قوة تستوعب الذات فى الموضوع، وليس العكس».

ويضيف باومان «إذا الرغبة تبتغى الاستهلاك، فإن الحب يبتغى التملك، وإذا كان تحقق الرغبة يعنى تدمير موضوعها، فإن الحب ينمو ببقاء موضوعه ودوامه، وإذا كانت الرغبة تدمر نفسها بنفسها، فإن الحب يديم نفسه بنفسه».

من رجل بلا صفات، كما وصف «روبرت موزيل» «أولريش» بطل روايته، إلى إنسان بلا روابط كما يصف زيجمونت باومان بطل كتابه، هذا البطل يجسد المأساة التي نحياها جميعنا، تلك المأساة تتلخص في الانتقال من الصلابة إلى السيولة، من الجنس المرتبط بالتكاثر لإنتاج الأفراد وبناء المجتمع إلى الجنس المنفصل عن التكاثر، الهادف لإشباع الرغبة فقط، من العلاقات التراحمية إلى العلاقات التعاقدية كما وصفها المسيري، من جلسات السمر العائلية إلى جلسات الشات اللاعائلية، من الاقتصاد الأخلاقي الذي يعتمد على حد الكفاف وكفالة الآخرين إلى اقتصاد العولمة القائم على العزلة والإنفراد، من قيمة الكرامة الإنسانية إلى قيمة البقاء، حتى لو أهينت الكرامة، من حب الآخر إلى حب النفس، من البيئة المفتوحة للجميع إلى مدن الأشباح التي تفضل العزلة وعدم الاختلاط، من عالم واحد يحيا فيه الجميع حياة كريمة، إلى مجتمعات مفككة هشة سائلة، من الإنسان الحي إلى إنسان ميت.

وفي نهاية الأمر يشير باومان إلي أنه لا يمكنك أن تجعل هذا العالم لطيفًا وحريصًا على البشر الذين يسكنونه، ولا يمكنك أن تجعله مرحبًا بأحلامهم بالكرامة على أكمل وجه وأحسنه كما تتمنى، لكن لا بد أن تحاول، وستحاول، فقط المحاولة هي الأمل.
قد يكون العنوان ( الحب السائل ) مضللا نوعا ما كون الكتاب لم يتطرق كثيرا للحب كمحور تتمركز حوله المواضيع،بقدر ما وظف هذا الحب السائل للتدليل على هشاشة الروابط الإنسانية، وتعميقها لتمزق العلاقات الإنسانية التي تنسحب على الحب مثلما تنسحب على غيره من أنماط التفاعل الإنساني، التي بدأت تتحول نحو أنماط أكثر افتراضية تعززها طبيعة تغلغل العلاقات المبنية على التقدم التكنولوجي المشكل لنمط جديد من العلاقات أكثر هشاشة!

الكتاب مُهم للغاية، ويجب أن يُقرأ بعناية، وسأحاول أن أكمله بباقي سلسلة السيولة، ما اتسع وقتي إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد