ملخص

يفتقد مجلس النواب المصري (البرلمان) لأغلبية برلمانية، ومما نتج عن ذلك المشهد غياب لما هو معروف في التقاليد البرلمانية بوجود كتلة برلمانية تمثل الأغلبية، وأخري تمثل المعارضة، نتج عن ذلك غياب الرؤية لتوجهات البرلمان والأجندة التشريعية، والتي غالبا ما تكون معدة من قبل الحكومة، تنفذها أغلبية مناصرة لها، تسبب ذلك في الانشغال بقضايا فرعية أو هامشية وصراعات وهمية بين نواب المجلس، مما أنتج وجود إحساس عام لدى الدولة بضرورة التعامل مع هذا الفراغ، حتى يكتمل الشكل الديمقراطي للدولة ومؤسساتها.

مقدمة

قامت الدولة المصرية بالخطوة الأخيرة فيما عرف بخريطة المستقبل التي أعلنت في 3 يوليو 2013م بعدما تم عزل د. مرسى من الرئاسة وهى إقامة السلطة التشريعية، فمنذ قيام ثورة يناير 2011م، وتعاني الساحة السياسية من غياب تنظيم سياسي متماسك يعمل على تحقيق مطالب المواطنين، وخاصة بعد الثورة، بالإضافة إلى غياب رؤية سياسية لمؤسسات الدولة للخروج من أزمة الفراغ السياسي التي تعانى منها منذ إسقاط الرئيس الأسبق مبارك، يرجع ذلك لعدة أسباب، أهمها ـ من وجهة نظر الباحث ـ سببان: الأول مشاركة هذه المؤسسات في عملية التوريث، مما أفقدها الثقة بسقوط حكم مبارك، والسبب الثاني قدرة نظام مبارك على تجريف الساحة السياسية من أي بدائل لحكمه، سواء كانت من نفس مؤسسات النظام أو معارضة له، فلم يكن بمصر أي بديل سياسي محتمل للنظام.

ظلت تلك الحالة فيما يتعلق بالسياسة مستمرة بعد ثورة يناير، بالرغم من ظهور العديد من التنظيمات السياسية للتيارات الأساسية داخل المجتمع المصري، ثم أخذت خطوة التحالف خلال حكم د.مرسى تحت شعار الخطر الذي يهدد أمننا القومي، وقد استمرت فترة ليست بالقليلة، إلا أنها لم تتمكن من إنتاج مشروع سياسي يمكنه العمل بعد الإطاحة بالرئيس مرسي، بل عادت تلك التنظيمات لحالة التشرذم من جديد، بل شكلت أحزابا جديدة.

تعكس تلك الحالة ـ كمؤشر ـ عدة نقاط، يمكن من خلالها وصف الحياة السياسية في مصر بعد ثورة يناير:

غياب القدرات التنظيمية لدى النخبة السياسية، وخاصة المعارضة لنظام الحكم، سواء التي كانت ترى الإصلاح طريقا أو إسقاط النظام كطريق آخر.

الشعور العام بالرغبة في ممارسة الحق في التنظيم، وهو من الأمور التي كانت محرمة طوال فترة حكم مبارك تحت شعارات عديدة.
عدم وضوح ما هو المقصود بالثوابت الوطنية والقواسم المشتركة لدى التيارات السياسية الأساسية في المجتمع المصري، فمعظم ـ إن لم يكن كل ـ القضايا كانت محل جدل ونقاش حاد بين الفرقاء السياسيين، حتى حدود الدولة المصرية، وهو عكس المتوقع.
غياب المشروعات الوطنية البديلة، سواء كانت المعارضة أو الإصلاحية للدولة؛ لتولى المسئولية الوطنية لقيادة الدولة.

عناصر حالة السيولة السياسية

نتج عن تلك الحالة أمر أكثر خطورة، وهى حالة السيولة السياسية، وبعيدا عن التعريفات العديدة لهذا المصطلح، إلا أن عناصره الأساسية، والتي تنطبق على الحالة المصرية، تتمثل في:

عدم اليقين في المستقبل السياسي للنظام الذي يحاول الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسى تأسيسه لتدعيم مشروعه السياسي، والذي لخصه في أكثر من مناسبة: الحفاظ على الدولة المصرية، ومواجهة حالة التهديد لوجود الدولة.

حالة التطاحن الموجودة بالمجتمع، بدء من الشباب، الذي يحاول أن يحتويه الرئيس السيسى، أو بين الأحزاب السياسية، أو بين الكيانات الاقتصادية، التي تنتمي في أساسها لرجال أعمال يمارسون السياسية، ويعبرون عن مصالح بعينها.

عدم قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة لمتطلبات الرئيس أو حتى القيام بدورها، وهو ما يفسر عدم الرغبة في القيام بمؤسسة البرلمان؛ لأنها من المفترض القيام بدور الرقيب على تلك المؤسسات التي بالأساس تفتقد القدرة على القيام بأي بدور.
غياب الخطط اللازمة، بالرغم من وجود الرؤية التي تعنى الحفاظ على الدولة المصرية – بغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك – بالتالي ما هي الخطط والاستراتيجيات لتحقيقها.
انسداد قنوات الاتصال بين مؤسسات الدولة، بما فيها مؤسسة الرئاسة، ومكونات المجتمع، فبالرغم من وجود تجاوزات خطيرة تصل في بعض الأحيان لانتهاكات أو جرائم، إلا أن فقدان القدرة على المساءلة والمحاسبة مثل شعورا عاما بمنهجية التجاوز، أو عودة أسلوب إدارة الدولة فيما قبل ثورة يناير 2011م، ونماذجها عديدة: تحرك شباب ألتراس النادي الأهلي، وتحرك المضاد لأهالي بورسعيد، وتحرك الأطباء، وأخيرا أهالي الدرب الأحمر.

تلك الحالة هي ما نتج عنها شكل البرلمان الحالي، فبالرغم من حجم التنوع داخل مجلس النواب المصري، والذي كان لفترة طويلة مطلبا جماهيريا، إلا أنه كرس حالة غياب البدائل السياسية، فمنذ قيام ثورة يناير 2011م، لم تتمكن التيارات السياسية من تكوين جبهات تستطيع تحريك الشارع، حتى نموذج جبهة الإنقاذ الوطني؛ فقد تفكك بعد استقالة د.محمد البرادعى نائب رئيس الجمهورية، يضاف إلى ذلك تصميم الرئيس السيسي على عدم تشكيل حزب سياسي يدخل به الانتخابات البرلمانية، فوق كل ذلك حملات التشويه الإعلامي التي تقودها الدولة ضد النشطاء والتيارات والشخصيات التي لعبت دورا سياسيا خلال الفترة الماضية.

إذن، ما هي السيناريوهات المتوقعة للتعامل مع حالة سيولة البرلمان المصري؟

أولًا: تدخل الدولة

تدخل الدولة سيكون على صورتين:

الصورة الأولى، هو احتواء حالة السيولة، وذلك بالدخول في صفقات سياسية بعيدة عن عيون الرأى العام، وهو أمر معروف في مصر مع عدد من النواب البارزين، مقابل تمرير الملفات الهامة، والتي أبرزها ميزانية الدولة، أو إسقاط الحكومة، أو الموافقة على التعديلات الوزارية الجديدة، أو الحكومة الجديدة.

الصورة الثانية، هو تدخل الدولة بزيادة التشرذم، وقيادة البرلمان من خلال وسائل الإعلام، وذلك بعمليات إشغال الرأى العام بقضايا ليست جوهرية، ولكنها تحظى باهتمام، وتلك الحالة أو الطريقة هي المتبعة الآن.

ثانيًا: تنظيم أغلبية برلمانية

أصبح من المعروف أن الائتلاف المسمى بتيار «دعم مصر» جاء بتوافق، أو على الأقل بدعم من مؤسسات الدولة المختلفة، وبالرغم من الرعاية والاهتمام، إلا أنه فشل في العديد من الملفات، أهمها: إسقاط قانون الخدمة المدنية، والتوافق على انتخابات رؤساء اللجان النوعية بالبرلمان، بالإضافة إلى أن حالة السمع والطاعة للمحرك الرئيس للائتلاف: اللواء سامح سيف اليزل، أثناء الانتخابات أصبحت محل شك بعد قيام البرلمان واتخاذ بعض النواب مواقف مناوئة له، فالحالة الصحية للرجل وفقدان القدرات القيادية كان له بالغ الأثر على شكل الائتلاف، وخاصة أمام الرأي، وشككت في قدراته أمام مؤسسات الدولة.

بالتالي فتدخل الدولة سيكون على صورتين:

الصورة الأولى إعادة صياغة لـ «دعم مصر» بحيث يسمح له بالقيام بالدور المنوط به، وهو ما ألمح له النائب عبد الرحيم على في لقاء تليفزيوني، وهو الصحفي القريب للأجهزة الأمنية، بأن هناك تنسيقا بين هذه الأجهزة في الفترة الأخيرة؛ لتلافى الأخطاء التي حدثت بالبرلمان، بالرغم من عدم انضمامه لذلك الائتلاف.

الصورة الثانية بناء تحالف جديد بعيدا عن اللواء سامح سيف اليزل، ويرى الباحث أن الدافع لذلك هو الصورة السلبية التي علقت في الأذهان لدى الرأى العام والنواب حول ائتلاف «دعم مصر»، أيضا سيكون الدافع الثاني تغيير بعض المحركات الرئيسة للائتلاف، والبحث عن بديل لقيادته، وهو ما يلاحظ في صعود اسم البرلماني أسامة هيكل وزير الإعلام الأسبق في عهد المجلس العسكري بقيادة طنطاوي.

ثالثًا: قيام تنظيم معارض

يعاب على النظام الحالي غياب تنظيم معارض، فهناك حالة من الضيق في التعامل مع أي رأي مخالف مهما كانت القواسم المشتركة، ضف إلى ذلك إعلان جميع النواب التأييد المطلق لخطط الرئاسة والحكومة دون توجيه أي انتقاد في أي ملف أو قضية، فحتى رفض البرلمان لقانون الخدمة المدنية لم نشهد له فرسانا أو نوابا بارزين لهذا الإعلان أو الرفض عكس ما هو معروف في التقاليد البرلمانية ، يرى الباحث أن ذلك يرجع لحالة الخوف من الضغوط التي تمارس على النواب خارج البرلمان لذا كان التصرف دون قيادة؛ حتى لا يتم التنكيل بهم، وهو ما يفسر اتهام النواب للقانون بأنهم منعوه لعدم استغلال الإخوان له في الذكرى السنوية لثورة يناير.

للأسف الشديد إن الممارسات الديمقراطية الشكلية التي ترسم الصورة، وليست عملا ديمقراطيا جماهيريا حقيقيا هي سمة النظام السياسي المصري منذ سبعينيات القرن الماضي فيما عرف بديمقراطية الأنياب، اعتاد النظام منذ ذلك الوقت على وجود كيانات تطلق عليها مسميات المظاهر الديمقراطية دون الارتباط بالواقع الجماهيري، نتج عن هذه الشكليات العديد من القضايا والموضوعات التي تعبر عن حجم هذه الأزمة مثل علاقة المثقف بالسلطة والأحزاب الشكلية وعزوف الشباب عن المشاركة السياسية وغياب الرؤى البديلة وغيرها من القضايا التي ظلت لسنوات محل نقاش.

بالرغم من تلك الأزمات فالمتوقع تشكيل تيار داخل البرلمان يمثل الشكل المعارض للحكومة والسلطة التنفيذية، إلا أنه من المتوقع سيكون على غرار ما قبل يناير 2011م حيث سيكون عددهم قليلا جدا وشكليا بما يعنى أنه سيكون جزء من النظام الحالي.

أزمة هذا التصور هو أنه ليس له محددات رئيسة أو ملامح، ولكنه أصبح لدينا دليل ملموس على الرغبة في وجودها، كما أعلن البرلماني عبدالرحيم على، وهو الصحفي المعروف بصلاته القوية مع أجهزة الأمن المصرية، وهو صاحب ملف التسجيلات الصوتية للمعارضين.

رابعًا: الحسم الرئاسي

ناشد العديد من الشخصيات القريبة، وعلى رأسهم الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الرئيس السيسي أن يؤسس حزبا سياسيا؛ حتى يتمكن من تنفيذ برنامجه السياسي، بينما لازال الرئيس لم يحسم قراره بعد، ولكن هناك العديد من الدعوات والدفع، وخاصة الدوائر القريبة من نظام مبارك وكبار رجال الأعمال لبناء هذا الحزب.

سيكون ذلك الحسم بصورتين:

الصورة الأولى، بناء حزب سياسي جديد، والمتوقع بطبيعة الحال سيشكل الأغلبية البرلمانية وستزداد عضويته على المستوى الجماهيري، كما لهذا التوجه من مزايا أهمها التمايز الذي سيحدث في البرلمان بين النواب، إلا أنه سنعيد نفس مساوئ نظام الحكم السابق قبل ثورة يناير من مزج الحزب بمؤسسات الدولة، الذي نتج عنه أن الحزب مجرد شكل قانوني لممارسة مؤسسات الدولة العمل السياسي، كلها قضايا كانت محل نقاش ودراسات ومطالب للإصلاح السياسي في مصر.
الصورة الثانية، وهي أن يتدخل الرئيس في ملفات معينة؛ للضغط لتمريرها من البرلمان، وهي طريقة في التعامل أكثر تعقيدا؛ لأنها ستتعامل معها بطرق مختلفة ومتعددة، كل حسب ظروفه، وستضطر بعض المؤسسات أن تمارس دورًا.

خاتمة

يحكم السيناريوهات الأربعة إطار عام، هو: حالة الإحباط العام، وخروج شخصيات ذات ثقل سياسي من التيار الداعم للرئيس السيسى الواحد تلو الآخر، بل امتد ليكون شرائح اجتماعية في الفترة الأخيرة، مما يرجع بنا للصورة الذهنية السابقة على ثورة يناير 2011م بأن التيار الداعم مثيل للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم آنذاك، بالتالي سيكون تجمعا للمصالح، يفقد ذلك الشكل إحدى أهم مبررات قيام هذا النظام أو الدفع بشخصية السيسى للرئاسة باعتباره انقطاعا مع كل ما هو قديم، فهو النموذج المحبوب شعبياً والمدعوم من مؤسسات الدولة، كما رسمه الإعلام للرأي العام.

يمثل استمرار حالة السيولة في البرلمان تهديدا للنظام الحالي، بالرغم من أن مجموعات المصالح المرتبطة بمؤسسة الرئاسة لازالت قوية، لكنها لم تحصل على حسابات الفواتير التي دفعت، ينعكس ذلك على الواقع الاقتصادي السيئ بالأساس، فجميع المشروعات تنفذها المؤسسة العسكرية، وهى أمور اقتصادية بحتة في إشارة سلبية بالسيطرة على المجالين السياسي والاقتصادي.

إن صور وإشكال الإفلات من العقاب على كافة المستويات، بدء من المستوى الحكومي بعدم المساءلة على حجم التقصير في أداء المهام مرورا بالأخطاء، أو وهمية المشروعات التي توصف بالقومية أو الكبرى، وعدم دراستها، انتهاءً بالتجاوزات الفردية، تنطبق هذه الحال على البرلمان وممارسة دوره الرقابي على الحكومة؛ فتغييب مفهوم المساءلة على كافة الأصعدة يعكس حقيقة الأداء المتراخي لمؤسسات الدولة الذي يصل لتصور بعدم غياب الرؤية، حتى وإن كانت الحفاظ على الدولة، ويثبت وهميتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

برلمان
عرض التعليقات
تحميل المزيد