(الامتنان )

حين تنظر إلى الحياة من منظور ذي بعد واحد فستجدها مغلقة أمامك، وتجلس على حافة الرصيف تشتكي وتولول على اشتداد الضربات تجاهك، وعيناك مليئة بالدموع على أشياء تختبئ خلفها النجوم، وأنت لست مدركًا ذلك؛ حياتنا مليئة بالزلات والهفوات والسقوط سهوًا، ولا أعرف كيف حصل ذلك! ومن أين أتى هذا؟! وكم مرة سيحصل! والكثير من التساؤلات التي نهايتها غير معروفة!

الحياة النظرية بثلاثة أبعاد كما هي معروفة، ولكن من وجهة النظر المعقولة الحياة ليست كما تُدرس وإنما هي عملية لها آلاف الأبعاد المرئية وغير المرئية، أنت تدركها أم لا هذا يرجع لك! فنحن بطبعنا نركز على الشيء الذي لا نبتغيه، كيف؟ نركز على الأشياء والأمور التي نرغب بتحقيقها ولكن لا تسري وفق رغبتنا، ونتجاهل الأمور الأخرى التي بطبعها ألفتنا وكونتنا عبر ساعات العمر.

حين نشكل قوائم بداخل عقولنا بالرغبات التي تشتهي أنفسنا لها ونصّر عليها، ومع مرور الزمن تجدها تتساقط منك وتختفي من كثرة التعلق بها والتمسك والخوف من الفقد، وأنت غير مدرك ذلك! وتجد نفسك تقرع بحافة عقلك، أين ذهبت ولم اختفت؟! عدم صراحتك مع نفسك هو جزءٌ من السبب وليس السبب كله، مرونتك مع الأمور أيضًا تلعب دورًا في التقليل من حدتك نحوها.

هنالك عوالم مخفية داخل جدران عقلك ويتبعها قوانين الشكر والامتنان والعِرفان! حقًا كيف؟ تعودنا أن نطلب ونأخذ، وحينما نطلب ولا نأخذ، يجد نفسه منحصرًا بدائرة مفرغة يتخبط بين أقطارها، ويقف في مركزها ينتظر الموت! أهم مستجدات الحياة أن تكون على يقين بما ستملك وبما ستحصل عليه، كأنه طريق بين السُحُب تطلب ما توَد وتتلقاه على الفور، ويتبعه السلام مع النفس.

هنالك قانون كوني يرتبط بمستجدات التوازن النفسي، فإذا اختل هذا التوازن تختل متطلباتك بالحياة أيضًا، وهذا ما سخره الله لنا حتى يبقى الكون ذا اتزان، حينما يتعلق بأمر ما كتعلقك بالماضي أو بالمستقبل أو حتى بوالديك أو بوظيفتك ستفقد هذا الشيء لأن التعلق بغير الله يأخذه الله منك حتى تتعلم بأن لا تتعلق بغيره، هنالك أساليب عديدة كي تفك التعلق بغير الله أولها العِرفان أو الامتنان لله على يقين بأن تعيش مشاعر الطلب والأخذ والاستقبال.

ثانيًا توافق ذبذباتك التي ترسلها إلى الكون مع الشيء الذي توَده؛ على سبيل المثال حينما توَد الحصول على وظيفة أحلامك، الشيء الذي عليك فعله هو أن تطلب الوظيفة، ثم تيقن بأنها ستستجاب وبعدها هنا اللغز ألا وهو الاستقبال، تستقبل الجواب بتخيلك بالحصول على الوظيفة التي طالما أردتها وأن تتعايش مع هذا الأمر وأن تكون متيقنًا بأن الوظيفة ستأتي من الله وليست من الناس وافعل الشيء الذي تحبه وتوكل عليه.

هناك قناعات تستمر عندما تبسط الأمور، حياتك قناعات فعندما تكون مقتنعًا بالأمور والحقائق التي يسري عليها الكون ستجد الوفرة تأتي إلى حياتك وحينما تنظر إلى المشاكل التي تحدث بحياتك على أنها رسائل بُعثت إليك وتستخلص الحكمة منها ستكون حياتك ميسرة وبسيطة ولن تكون تعيسًا؛ أنت الذي تحدد مساراتك، قوة تفكيرك وقناعاتك وامتنانك لله يضفي على حياتك بالكثير.

قول الامتنان تجدونه سهلًا وبسيطًا وتقولون بعقولكم بأننا نشكر الله ونمتن له لكن لا تستشعرون بها، أو تقولونها من غير يقين، حينما تشكر الله على فسافس الأمور جُلها ودقها وتستشعر بها صدقني ستكون بسلام عارم يتدفق منك وتلقائيًا هذه الروحانيات تجوب في عالمك وتُثني عليك بالكثير، قدرك مكتوب وطلبك يغير قدرك حينما تمتن.

قلقك على الكثير من الأحداث التي تمر وستمر ويكأنك تدور بفقاعة مليئة بالطاقة السلبية التي تبعدك عن مسارك وتصطدم بالشمس وتحترق، هذا القلق الناتج عن عدم توكيلك للأمر لله، ووالله لو وكلته لله لن تقلق، يُدخل نفسه بعوامة حينما تسحب المياه إليها ويصعب إخراجها ويظل يغرق بداخلها الى وقت عدم تنفسه واختناقه.

حينما تُشكل قائمة يوميًا لعِرفانك وشكرك لما في حياتك من النعم ستتوافد عليك بالوفرة وأكثر ما تتخيل، كوّنها بما يخطر على ذهنك وضعها بين عينيك وسمِّها بالعين السحرية التي لا يراها غيرك واجعلها بينك وبين ربك حتى تستمر بها، وكررها يوميًا وأضف عليها كل يوم نعمة من النعم التي تحيط بك.

نعمة الصحة، نعمة الوالدين، نعمة السكن، نعمة الدراسة، نعمة الزواج، نعمة الأكل، نعمة الشراب، نعمة السعادة، نعمة العقل، نعمة الصلاة، نعمة الشكر، نعمة الحب، نعمة التنفس، والكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى!

قال تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ). سورة إبراهيم – 7

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد