هل فكّرت مسبقًا أنْ تصغي إلى صوت درجات سلّم الدّار، إلى النوافذ والأبواب، إلى الأقفال الصدئة، إلى زجاجات الخمر الفارغة، إلى الجّماد بصورة عامّة؟! سألفت نظرك إلى شيء ما، لكل شيء صوت، حتّى للصمت فلا تكن أصم، بل استمع بكل ما أوتيت من قوة؛ لعل الرسالة موجّهة إليك أنت!

   الله لمْ يخلق شيئا هكذا بلا فائدة، بلْ ولم يعط الإنسان القدرة على خلق شيء بلا فائدة، فلكل شيء فائدة في زمن ما ومكان ما، ولكل جماد مهنة ومهمّة أساسية، لكن إذا تمعنّا النّظر أكثر، سنجد مهمّة أخرى يقوم بها الجماد، مهمّة روحيّة عامّة تشمل على كل الأشياء، رسائل ترسل إلينا ودلالات لا ينبغي تجاهلها.

فمثلا درجات سلم البناية الذي تصعد عليه كل يوم حتّى تصل لمنزلك، تجد عندما تدخل مدخل البناية عدّة درجات، ربّما ثلاثة أو أكثر، تجد الدرجات الثلاث متآكلة من كثرة الصعود عليها، فكل سكّان البناية يصعدون عليها، حتّى قاطني الدور الأرضي، وتصعد على درجات الدور الأول، فتجدها متآكلة ولكن بنسبة أقل من الدرجات الأرضيّة؛ نتيجة صعود كلّ سكّان البناية عليها مرورا من الدور الأول حتّى السادس، وتصعد على درجات الدور الثاني فتجدها متآكلة بنسبة أقل عمّا سبقتهم؛ لأنّه لا يصعد عليها إلّا قاطني الأدوار من الثاني إلى السادس، وهكذا مرورا بكل الطوابق وصولا إلى درجات الدور الأخير، تجدها سليمة لا تآكل فيها! لأنّ من وطأها بقدمه هم سكّان منزل الدور الأخير، فقط!

ترى ماذا تسمع عندما تصغي إلى درجات سلم البناية؟ يمكن سماع عدّة أشياء، فصوت الجماد كالشعر لا يحتاج إلى تأويل، دلالة هذا الموقف أنّ المكان الذي وطأته بقدمك مرارا وتكرارا بسهولة ويسر هو مكانٌ وطأه كثيرون مثلك، لا فرق بينك وبينهم، أمّا المكان الذي تبلغه بعد تعب وإرهاق، وبلغته بصعوبة، لا يطأه الكثيرون، فهو مكانٌ لمن تحمّل مشاق درجات السلم الأولى والثانية وصولا للدور الأخير.

فاسمع صوت درجات السلم الأخيرة ستجدها تبلّغك أنّ لا أحد يطؤني إلّا المرهق من أثر الصعود على درجات كثيرة، أنا المكان المميّز، أنا المجد والمعرفة لا فاصل بيني وبين سقف السماء!

داخل المنزل، وفي منتصف كل باب من أبواب الغرف، هناك مقبض، ففي باب غرفتك مقبض ولكنّه من كثرة الاستخدام مال حتّى كاد يكسر؛ ذلك لأنّ غرفتك تفتح كثيرا منك ومن والدتك وإخوتك وهكذا، فالعائلة كلها تستعمل هذا المقبض دخولا وخروجا، أمّا مقبض الغرفة الصغيرة جدا التي يضع فيها والدك الأجهزة التالفة و«الكركبة» التي لا نفع منها، تجده سليما، يلمع كنصل سيف ولون طلائه الذهبيّ ما زال موجودا، ما الفرق بين المقبض الأول والمقبض الثاني، سوى أنّ الأول ضاع لونه ويقترب من النهاية، والثاني لونه ناصع، رسالة الاثنين تقول إنّ المعرفة مؤلمة أحيانا، والوحدة خير من الكسر، فالأول عرف ملمس يد العائلة، وهم عرفوا ملمسه، يمسكونه بعنف ويديرونه كثيرا، عرف وعرف حتّى تألّم!، أمّا الثاني فلا أحد يعيره انتباها، فهو وحيد حد الموت، لا تحتضنه أي يد في برد الشتاء، يستعمل عند الحاجة، كلّ فترة طويلة جدا، فأصبح وحيدا؛ ولكنّه ظلّ محتفظا برونقه الذّهبيّ! وهو المقبض الوحيد بين أقرانه الذي لا يؤرّقه التألّم!

 

وفي ثقافة البوذيين، لكل تمثال من تماثيل بوذا دلالة ومعنى وصوت، فهناك تمثال له وهو جالس جلسته المربّعة، باسطا يده اليمنى وخافضًا يده الأخرى، فبيد يطلب العطايا من النّاس كي يحيا يأكل ويشرب، أمّا انخفاضة اليد الأخرى دليل على تواضعه أمام مريديه، وتمثالٌ آخر له وهو جالس على الأرض فاردا قدميه صانعا بهم رقم ثمانية معوّجًا، وكرشه يتدلّى على فخذيه، مغمض العينين وميّتا! يدل هذا الوضع على أنّه ابتلع خطايا مريديه، فمات!

تجد طفلا صغيرا ممسكا بزجاجة فارغة، يقف على ناصية الشارع، يرمي الزجاجة بعنف على الحائط فلا تنكسر، يمسك بها مجدّدا ويرميها بعنف، فلا تنكسر، يحاول مرة واثنين وثلاثة، لا تنكسر، تقول الزجاجة له: لن تستطيع كسري الآن، يجب أن تكسر أنت أولا، الحاصل على الشيء يمكن أن يعطيه، والفاقد لا يعطي، وأنت ما زلت فاقدًا، فلا تستطيع كسري، فلا يسمع الطفل صوت الزجاجة، في النهاية يملّ، فيتركها ويذهب ليجرّب اللعب في مكان آخر!

إذن فإنّ للجماد صوت، صوتٌ صاخب، لا بدّ أن نصغي إليه؛ لأنّه لا بد سيرسل رسالة لأحدنا، ربّما الآن أو لاحقًا، المؤكّد أنّ الرسائل لا تنتهي، فاصغ إلى رسالتك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجماد, الصمت
عرض التعليقات
تحميل المزيد