اليابان، شرق آسيا، القرن السابع عشر

على حافة الجحيم وقف أربعة آباء مبشرين، خلعت عنهم ثيابهم، ليتذوق جلدهم – عنوة – مياه البحيرات الساخنة! استخدم المعذبون زجاجات معدنية مثقوبة، ملؤوها بالمياه المغلية، ووضعوها فوق أجساد المبشرين، لينزل الماء المغلي من الثقوب، ببطء؛ ليزيد ألم جلدهم، مع كل قطرة تنساب عليه. البطء في التعذيب عذاب لا يضاهيه أي عذاب، ويبدو أن اليابانيين أدركوا ذلك مبكرًا. بعد نصف ساعة فقط من هذا العذاب السرمدي، تحول لون جلد المبشرين بدين المسيح من الأبيض إلى الأحمر القاني. ترى، لماذا فعل الجنود اليابانيون مثل هذا الفعل الشنيع، في الآباء المسيحيين، المبشرين؟ هذا ما سنعرفه هاهنا.

سمح الحاكم الياباني «هيديوشي» بقيام الديانة المسيحية ديانة معترفًا بها في دولة اليابان في القرن السادس عشر، تحديدًا عام 1579 ميلاديًّا، حيث قدر عدد المسيحيين آنذاك بمائة وثلاثين ألف مسيحي، ولكن هذا السماح لم يكن من باب احترام آراء الآخرين، ولا من باب التسامح؛ كان سماحًا سياسيًا استخدمه في صراعه مع جماعة من البوذيين بعد ذلك. وصلت الديانة المسيحية إلى اليابان عام 1549 ميلاديًّا، عن طريق القوافل التجارية التي تجيء إلى مواني جزر اليابان، مع اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجاء الصالح.

وفي إحدى القوافل كان هناك ثلاثة يسوعيين هم: فرانسيس كسفاريوس، كوزمي دي توريس، وخوان فرنانديز، ويعد أولهم – فرانسيس كسفاريوس- من أعظم المبشرين بالديانة المسيحية. وصل الثلاثة رهبان إلى مدينة كاغوشيما في جزيرة كيوشو يوم 15 أغسطس (آب) من عام 1549، وبدأ مع قدومهم التبشير بدين المسيح، وساعدهم على فهم الثقافة اليابانية رجل يدعى «أنيجيرو»، وفي هذا العام تُرجم أول كتاب لتعليم المسيحية باليابان، ومع الوقت تزايد عدد اليابانيون على يد «كسفاريوس» ومن لحقه من كهنة مسيحيين.

وبحلول عام 1569، كان هناك ثلاثون ألف مسيحي ياباني، من الفلاحين، وكهنة البوذية، وأغنياء اليابان، كان واضحًا أن المسيحية يزيد ثقلها في اليابان يومًا بعد يوم، وخبر وجود أربعين كنيسة في هذا العام يؤكد ذلك. وفي عام 1570، أي بعد عام واحد فقط، ارتفع عدد المسيحيين ليصل إلى مائة ألف مسيحي، وهو رقم صادم جدًا للبوذيين، الذين توقعوا فشلًا ذريعًا للمسيحية، وما زاد غضب البوذيين هو تحويل عدد من المعابد البوذية إلى كنائس، تقام بها شعائر الديانة الجديدة.

بعد ذلك بفترة قصيرة، قرر الحاكم نفسه منع نشر الديانة المسيحية؛ خوفًا من زيادة النفوذ الأجنبي في بلاده، وروي عنه قوله: إنه لا يعترض على المسيحية، ولا يرى ما يجعله يسيء الظن بالمبشرين، لكنهم مع ذلك أجانب قدموا من الخارج، ولا يحق لهم التهجم على آلهة اليابان. وبدأ عصر مظلم في تاريخ الديانة المسيحية، عصر بكى فيه معتنقوها دمًا، عصر يدرس، ويروى لكل جيل، عن إخلاص هؤلاء البشر لمعتقدهم الفكري، فعن الاضطهادات وأشياء أخرى، سنتحدث.

في عام 1616، قرر حاكم اليابان منع دخول أي قوافل تجارية أجنبية إلى محيط جزر اليابان، وبدأت تصفية المبشرين بالمسيحية، وتم إجبار الكثير من معتنقي المسيحية من السكان الأصليين على التخلي عنها، بل الاستهزاء برموزها، وطُرد الرعايا والتجار الأجانب كلهم، باستثناء غير المسيحيين منهم. وبدأ التعبد السري.

ساموراي ياباني يمارس شعائر الدين المسيحي

ولكي يتخذ المقال طابعًا أدبيًا أكثر من كونه سردًا لبعض المعلومات شبه المعروفة؛ ففي باب الاضطهاد سنتحدث عن رواية يابانية بعنوان «الصمت»، وهي لكاتب اسمه «شوساكو إندو» كتبت الرواية عام 1966 ميلاديًّا، تحدث فيها عن الاضطهاد في أبشع صوره، وللأسف، معظم أحداث هذه الرواية حقيقية، ومعظم شخصياتها هم أناس كانوا موجودين في عصر الاضطهاد الياباني للمسيحيين.

أحد أغلفة الطبعة الأجنبية للرواية

يتحدث الكاتب بصورة أساسية عن اليسوعيين الذين غامروا بحياتهم في سبيل تبشير المسيحيين اليابانيين في عصر الاضطهاد، وعن ما لقاه هؤلاء الكهنة من تعذيب وتنكيل من قبل السلطات اليابانية، وفي النهاية تجبرهم السلطات على الاستهزاء برموز الدين المسيحي أو العذاب حد الموت.

وتتحدث الرواية بصورة فرعية عن جماعة تسمى «الكاكوري كريشتيان»، وتعني بالعربية «المسيحيين المتخفيين»، وهم السكان الأصليون الذين تحولوا من البوذية إلى المسيحية، وفي نظر السلطات اليابانية يجب مطاردة المرتدين وتعذيبهم حتى الرجوع إلى البوذية مرةً أخرى. بدأت جماعة «الكاكوري كريشتيان» ممارسة العبادة المسيحية في الخفاء، مثلًا في قبو أحد المنازل، أو في المقابر، أو في أي كوخ متطرف لن تصل إليه السلطات بسهولة.

لوحة توضح ممارسة الصلوات المسيحية في إحدى المقابر

ورواية «لصمت» تعتبر من أعظم الأعمال اليابانية الأدبية، ومن أعظم الروايات التاريخية التي كتبت في العالم بلا شك، ذلك لصدقها وعمق تجربتها، وانتقالًا من الرواية إلى الفيلم المأخوذ عنها.

منذ أكثر من عشر سنوات، قرر المخرج الكبير «مارتن سكورسيزي» تحويل رواية «الصمت» إلى عمل سينمائي، إيمانًا منه بعظمة القضية، وقوة الرواية في تجسيد مدى الاضطهاد، الذي تعرض له اليابانيون والمبشرون الأجانب. واستغرق وقتًا طويلًا جدًا، قرابة العشر سنوات، كلما ينوي البدء في تجهيز الفيلم، يؤجله، إلى أن صدر فيلم «الصمت» عام 2016 عن رواية الأديب الياباني «شوساكو إيندو». بطولة «ليام نيسون» الذي جسد دور الراهب «فيريرا» وهو أحد اليسوعيين الذين ذهبوا إلى اليابان للتبشير، ولكنه لقي أعظم الاضطهادات وشتى أنواع التعذيب، حتى خارت قواه، ووطئ بقدمه المليئة بالطين على وجه المسيح.

ويستهل «مارتن سكورسيزي» فيلمه برسالة من الراهب «فيريرا» يقول فيها: كل إنجازاتنا انتهت باضطهاد جديد، اضطهاد جديد ومعاناة جديدة. بصوت «ليام نيسون» الرخيم تشعر وكأن اليابان كانت مكانًا مظلمًا كقاع مستنقع.

مشهد البداية يصور «فيريرا» وهو جاثٍ على ركبتيه، يشاهد إخوته الرهبان وهم يعذبون.

ويعاون «ليام نيسون» كل من الممثل «أندرو غارفيلد» و«آدم درايفر»، وكل منهما يجسد شخصية كاهن يسوعي، ذهبا إلى اليابان ليقتفيا أثر معلمهما «فيريرا»، وليتأكدا من خبر ضلاله. وتستمر معاناتهما واضطهادهما في اليابان، بشتى أنواع الآلام، حتى يموت أحدهما غارقًا، ويرحل الآخر بسلام بعدما وطئ على صورة المسيح بقدمه.

يقول مترجم الرواية إلى العربية «محمد حسين كامل»: إن القس في رواية الصمت يصارع في كل يوم هزيمته؛ لكن هذه الهزيمة في تصور «إندو» تمجده، وإذا ما قدر له أن يدهس وجه المسيح، فهو بذلك يؤكد جدارة المسيح؛ لأن المسيح ولد ليحمل عن الضعفاء انسحاقهم!». وهكذا، فإن صمت «إندو» هو صمت صارخ، مترع بالتساؤلات، مفعم بالرحيل الشاعر نحو آفاق جديدة منفتحة.

وعلى هذا فإن الاستماع إلى صمت الرب، كان ضرورة واجبة؛ ذلك لأن صوت الصمت كان صاخبًا وواضحًا كالشمس، فاستمعوا يا أولوا الألباب إلى صوت الصمت؛ لعلكم تخلصون. ونختم هذا المقال بقول الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي:

وما علي إذا ما قلت معتقدي *** دع الجهول يظن الحق عدوانا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد