default-avatar
سعد حدروي
default-avatarسعد حدروي

دأب البعض على أن من يقرأ التاريخ يدرك أن جل ما يحدث من سنن الأرض، كذلك الفجر يأتي بعد الظلام، وأن كل ما يحدث جزء من سياق التغيير، ندرك هذا جيدا، ندرك أن ما حدث معنا لم يصل بعد لما آلت إليه ثورات العالم، لم ننزف دما يكفي، لم نقدم تضحيات تليق، ندرك أن أوجاعنا لا شيء مما تكبّده العالم في رحلة التغيير، ندرك أن الفوضى جزء من الخلاص وأن الأمل معبّد بالألم.

ماذا لو ولدنا في زمن آخر، بهوية مختلفة، بلغة متباينة، زمن يمكننا فيه الحديث بصخب عن أي شيء دون قلق أو حسبان ما أعظم أن نشارك أفراحنا دون خجل، أن نحظى بممارسة تفاهتنا علانية أمام الآخرين، ما أعظم أن لا نستنكر على أنفسنا ممارسة طبيعية أمام هذا الكم المخيف من الألم، على الأرجح كانت لتشغلنا قضايا أهم.

نحن مبتلون بهذه المنطقة من العالم، إذا مرضنا نذهب من طبيب إلى طبيب، وإذا تعطلت سيارتنا ذهبنا من ميكانيكي إلى آخر، وإذا تعلق الأمر بالدين فكل واحد فينا فقيه مجتهد، ومرجح بين النصوص لا يُشقُّ له غبار ! تجدون الذي إذا سمعتموه يقرأ القرآن فيرفع وينصب ويجزم على هواه فتحسبونه أحد أصحاب القراءات السبع يفتي في المواريث ومصارف الزكاة!

يقول قس بن ساعدة: كنتُ مرة عند الحلاق أنتظر دوري في عداد المنتظرين، والجلسة عند الحلاق عادة ما تكون حلقة علم يناقش فيها فقهاء «النص كم» أمور الفقه المستجدة، وكان يومها الموضوع المطروح للمدارسة الربا الذي تعطيه البنوك، وعندما تشعبت آراء الجهابذة، كان لا بد لأحد أن يحسم الموضوع، عندها تدخل أبو ماهر حبر الأمة وقال: خُذ ما يعطيك إياه البنك ولكن لا تأكله، اشترِ به بنزينًا للسيارة، واملأ منه قارورة الغاز، وادفع ثمن المنظفات ومعجون الأسنان، فإنما قال الله: «ولا تأكلوا الربا» وأنا أفعل هذا! حسنًا قُضي الأمر الذي فيه نستفتي، إن حبر الأمة يفعل هذا!

جاء رجل من العراق إلى المدينة يسأل الإمام مالك عن قضايا فقهية، فأجاب الإمام عن بعضها وسكت عن بعضها،
          فقال له: ما أقول لأهل العراق يا مالك؟
فقال له: قل لهم إن مالكًا لا يعلم!

لكل أمة جُهَّالها، نسبتهم إلى أهل العلم ضئيلة في أي مجتمع من المجتمعات مهما كان تصنيف هذا المجتمع، لذا تحرص الدول المتقدمة على تقليل هذه النسبة وانتشال هؤلاء من هذا المستنقع، تعدّ لهم المعاهد ودور العلم ودور مكافحة الأمية، لأن الأمة الجاهلة لا يعبأ لها بين الأمم، على الرغم  من أنني أختلف مع أيا كان حول مصطلح مكافحة الأمية،لذا اتركوا الأمية وحاربوا الجهل أولا.

 الجاهل هالك، يقول بروكتور: «نحن نعيش في عالم من الجهل المتطرف، ومن باب المعجزة أن تسمع الحقيقة في وسط كل هذا الضجيج»، ويمضي محذرًا : «حتى لو كان الوصول للمعرفة متاحًا، فذلك لا يعني أنه تم الوصول إليها بالفعل».

وتوصل بروكتور إلى أن الجهل ينتشر عندما لا يفهم كثير من الناس حقيقة ما، عندما تعمل جماعات المصالح الخاصة مثل جماعة سياسية تعمل بجد لخلق حالة من الارتباك والحيرة إزاء قضية من القضايا.

 يقول المتـنبي :

وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهلهِ     وأجســـادهم قبــــل القبور قبورُ

في ظل الجهل، تنمو التفرقة القومية، واضطهاد الأقليات الدينية، الجهل سبب الكفر، سبب التنافر والتباغض، فلا فقر أشد من الجهل.

كذلك الكاتب علي وردي في كتابه مهزلة العقل البشري يشير  أنه لا بد مما ليس منه بد، أن المفاهيم الحديثة التي تأتي بها الحضارة الغربية آتية لا ريب فيها، ويقول بأنه آن الأوان لفهم الحقيقة، إذ أن العالم الإسلامي يمد القوم بمرحلة انتقال قاسية، يعاني منها آلامًا تشبه آلام المخاض، لذا ففي كل بيت من بيوتنا عراك وجدال بين الجيل القديم والجيل الجديد، فصرنا أحزابًا وكل حزب بما لديهم فرحون. زاد الأمر على هذا حينما أخذ يكفر بعضنا بعضًا، ويطرد بعضنا البعض الآخر من رحمة الله التي وسعت كل شيء إلاَّ أنها ضاقت عند أصحاب الجباه الضيقة.

 الطامة الكبرى هي أننا عزفنا عن الدين الذي ندعو إليه، بعزوفنا عن علومه حتى صرنا نجهل الدين الذي نتدين به، فضلا  على هذا تجرأنا على الفتوى من غير علم حتى أحللنا كثيرا مما حرم الله وأحل.

صعد عالمٌ المنبر، فسئل عن مسألة، فقال: لا أعلم
فقال له رجل من الحضور: هذه المنابر يرتقيها من يعلم
فقال له: لقد ارتقيتُ على قدر علمي ولو ارتقيتُ على قدر جهلي لبلغتُ السماء!

  لم يسعنا هذا فانطلق بعضنا كالذئاب الجائعة، ينهش العظماء الذين شَرُفَت بهم الأرض، وانتشر بجهودهم الدين، فكنا أكبر معاول الهدم لما تبقى من آثار هذه الأمة العظيمة، وهكذا ينقلب الإنسان بجهله إلى أداة تدمير، فقد دالت دولة الفقهاء، وزالت معالم العلماء، وغيرت مناهج التعليم وقلت المعرفة وفشا الجهل وظهر الغرور.

فغيرت المعايير، وبدلت الموازين، فَأْتمن الخائن، وخُوِّنَ الأمين، وسُئِلَ الجاهل، وتُرِكَ العالم، يفتي الفقيه فلا تقبل فتواه، ويتنطع الجاهل فيتسابق أمثاله في هواه، يَضِل ويُضِل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تعليقات الفيسبوك