إن  كنت أنت من سيقرر ماذا يحدث في النهاية، إن كان سيتاح لك وضع نهاية ما  للحكاية ولو حتى على الورق، فلماذا تختار نهايات سيئة موجعة؟ لأنك تنقل الواقع مثلًا، تقلد الحياة ذاتها وتختار تعذيب بعض الأبطال أو تنهي آمالهم بطريقة تعيسة وبائسة، لم تعرف  العدل عامة، فلا تختاره بالمقابل في خيالك، أم أنك تكتب لتصنع عالمًا جديدًا مغايرًا يحدث فيه كل ما يصعب حدوثه، الكتاب بالأساس أشخاص يهوون الخلق ولو في كتاب، ويحبون نقل الواقع أو التعالي عليه، ويصنعون عالمًا آخر من خيال، يجدون فيه ومعهم القراء عزاءً عن رتابة ذلك العالم، لكل كاتب طريقته في وضع النهايات، وكما هي صعبة أن تبدأ صعب أيضًا أن تنتهي.

هناك من تعن لهم النهايات طوال الكتابة فيدفعون الأحداث لتؤول لها في الأخير، هناك من يكتب على سجيته ويترك السرد والشخصيات تفعل ما يحلو لها، تحدث المفارقات وتملي هي النهايات حتى لا تبدو نهايات مفتعلة أو غير منطقية أو لا تقود الأحداث لها.

كتب جورج أوريل مثلًا روايتين وحيدتين واتبع نفس نمط النهايات المحبطة الصعبة، ورغم اختلافهما فإنهما يدوران في فلك واحد ويقولان نفس الشيء.

1984 رواية تصنف دائمًا على أنها من أكثر الأعمال الأدبية ثورية، يحتفظ بها معظم الشباب ويتباهون بقراءتها، على العكس من الفكرة الثورية التي تدفع دفعًا للهروب من السيطرة الأخلاقية أو السياسية، كيف تستطيع مهما كنت مراقبًا أن تبقى حرًا في خيالك وضميرك، وكيف تستطيع رغم كل شيء أن تجد وسيلة ما لتكسر القاعدة وتكون مخيرًا حتى في اختيار الخطأ، تحلق بك الرواية عاليًا، ثم ترطم النهاية جبهتك على رصيف الواقع والسوداوية وتقبض قلبك بعد الأمل!

الفكرة الرمزية المتمثلة في الأخ الأكبر الذي يمنح ويهب ويمنع ويحول بينك وبين عقلك لأنه الأكثر حكمة والأكثر قوة بصورته المبهمة التي تحيط بها الشكوك عن شخصه أو حتى احتمالية عدم وجوده.

لكن النهاية جاءت محبطة لأبعد حد، بل ربما تكون من أكثر النهايات وجعًا وإحباطًا حتى لتتساءل: لماذا ضيعت فيها كل ذلك الوقت لتنتهي منها، وكل هذا الأسى في داخلك، تنتهي الرواية بعد صفحات طويلة من الشعور بالتحرر، ليس لإذعان البطل مجبرًا لسياسة الأخ الأكبر، بل لاقتناعه التام بفكره وشعوره بالندم الشديد حتى وهو ينتظر الموت الذي سيأتي بغتة لم يعد لديه سوى أمنية وحيدة وهي أن يتقبل الأخ الأكبر توبته لتتحير في النهاية: هل الموضوع سياسة وشأن أرضي أم أنه يلمح لفكرة الأديان عامة، وأن الأخ الأكبر في الرواية لم يكن إلا رمزًا للإله نفسه.

لتبقي نهاية 1984 وهي وإن صنفت واشتهرت كرواية ثورية فإن النهاية لا توصف إلا بالقمع والإقرار بالقدرة حتى على السيطرة على الخيال والعقل؛ إذ تبقي لكل المهمشين والمقهورين ضوءًا أخيرًا في عالم مواز، كما يقول محمود درويش: كم أنت منسي وحر في خيالك!  أي ما كان ما يمثله الأخ الأكبر فكل إنسان حالم لابد أن يقود ثورة ما في حياته علي نظام أو فكر أكبر وأقدم منه أو حتى شخص بعينه يهمش إرادته، كما استغل مثلًا ستيف جونز الفكرة لتسويق أحد منتجات شركته (آبل)، واعتبر أن الشركة الأكبر والأقدم (أي بي إم) التي تجرأ على منافستها واستبدال نمطيتها وقباحتها كما يعتقد هو بفكر آبل الجديد والثوري وتصادف ذلك مع العام نفسه الذي أسميت الرواية باسمه 1984 وقف جوبز يتساءل هل ذلك العالم موجود؟ بالطبع لا، وآبل ستنافس الأخ الأكبر! مجتمع 1984 قائم فعليًا في كل مكان حولنا، مجتمع يقول للزهر لا تزهر، النور ليس مفيدًا لك، وأنا أعرف ما هو الصالح فيبدأ البشر فيه للترويج لفكرة أن النور سيئ جدًا! لكن لا يوجد أبدًا شيئًا لا يمكن قهره أو الثورة عليه.

مرزعة الحيوان، وإن كانت أقل شهرة إلا أنها تنتهي نفس النهاية المحبطة فبعد أن تثور الحيوانات وتغير الأمور ينتهي الأمر ثانية إلى سيطرة أقذر العناصر، بل وتدهور الحال أكثر بعد الأمل في التغيير، لتتحير لماذا يصنف أدب جورج أوريل بالثورية رغم تلك النهايات السيئة، يقول الكاتب في نهاية 1984 لا فائدة من أي شيء وكل الطرق مسدودة أمام الأحلام، لن تستطيع الإفلات، ستدور في مدار واقعك، حتى التذمر بينك وبين نفسك لن يوهب لك، لست أنت بطل الحكاية ولو كانت حكايتك، أما ما قالته نهاية مرزعة الحيوان، فهو ببساطة ربما لست نظيفًا كما تعتقد فقط، لم تتح لك الفرصة لتمارس قذارتك.

نهايات هاروكي موراكامي، ورغم كل شيء تفتح الباب للبطل بعد انتهاء السرد ليبدأ دنيا جديدة؛ إذ تشعر أن الكاتب مؤمن بالتجارب التي تنحتك وتغير فيك وتثقلك لتبدأ تجربة جديدة لا أن تنتهي إلى نقطة ما بعد الأجواء السوداء في الغابة النرويجية يخرج البطل أخيرًا من متاهة الغابة وقيود الماضي التي كان متعلقًا بها وإن آلمته، البطل في النهاية بين فتاتين على النقيض، بين من يولدون ولديهم خللًا يمنعهم من المغافرة في الحياة، وليس لديهم أية دوافع للبقاء، متعالين على الحياة أو ضعفاء للغاية، ومن يعيشون رغم كل التخبط والمحاولات للدفع للخلف واليأس، وبين ناكو الجميلة الناعمة التي لا تقوى على مواجهة أحزانها، ولا حتى لديها الرغبة في ذلك وميدوري المشاغبة المفعمة بالحياة يبقى الأقوى ويختفي الأضعف، ولو كان الأجمل ولو كان الأنبل، ورغم قصص الانتحار المكررة يختار البطل الحياة.

وأخيرًا يتخطى الظلال الكثيفة والأشباح والأجواء المظلمة ويخرج إلى النور والحياة، ليتذكر ما مر به يومًا ما وهو على طائرة تسري في الهواء وعلى أنغام الغابة النرويجية لأساطير البيتلز يحاول أن يتذكر كل شيء مضى. الأغنية التي تشبه الرواية لحد غريب والتي تبدأ بـ(يومًا ما كنت أملك فتاة.. أو علي أن أقول إنها كانت تملكني) والموسيقى التي يتنهي بك الأمر إلى أن يعزفها خيالك وأنت تقرأ (ترو.. ناكو.. ميدوري.. كيزوكي) كما تنتهي الرواية تنتهي الأغنية: (وعندما مشيت كنت وحيدًا).

 

في (كافكا على الشاطئ)، بعد الهرب طوال الوقت وبعد كل ما قابله كافكا الممتلئ بالحياة وإن لم يفهمها.. المتقد البال وقوي الجسد، يترك حتى الأسئلة التي لم يعرف لها أجوبة.. حيث روايات هاروكي لا تقدم أجوبة في النهاية لكل المسائل المعلقة في الحكاية تماما كما الحياة نفسها، كأنما يقول لك إن الغاية هى الانغماس في الحياة للنهاية لا أن تشوش على عقلك بأسئلة لا تنتهي، وربما لا تكفي حياتك ولا 100 حياة مثلها لتجد أجوبة لكل ألغازها كافكا يعود، وليس المهم معرفة الحقيقة كاملة والذي هو ضربًا من اللاواقعية، بل المهم هو التجارب نفسها، (إن لم توحل بقدميك في التجارب لا يحق لك وضع النظريات ولا حتى ادعاء الفلسفة، فقط يمكنك التباهي بحذائك النظيف).

في 1984 وبعد ثلاثة مجلدات ضخمة، أومامة وتنجو، بعيدان قريبان يعيشان في عالمين مختلفين، ورغم أنهما يتقاطعان، فإن الوصول صعب، يحلمان باللقاء ونحلم معهما بذلك الوقت، لا يوجد لحظة مرت دون أمل في الوصول، ودون أن يكون كلٌّ منهما بالنسبة للآخر هو القطعة الناقصة التي تكمل الصورة والحكاية، هما في مخيلتة البعض صورة مموهة لا تختفي ولا تزول ولا تمحوها الأيام والمتاهات والألغاز والعوالم التي تتداخل والممرات التي تقود إلي الفوضى، كل شيء يتغير إلا ذلك الحب الغريب، وذلك الأمل الذي لا يتزعزع من الضمير أبدًا، يحاولان تغيير العالم، كل بطريقته، أومامة ترسل الأشرار للعالم الآخر، وتنجو يحاول الكتابة تنقصه بعض الأدوات، لكنه يحاول، ينغمس كلاهما في علاقات حسية كاملة، لكن لا شيء يلمس الروح والقلب، تصل ذورة الحكاية أن يعيشا في نفس الحي، وينظران إلى نفس القطعة من السماء، ويبدوان كنقطتين في أقصي درجات الاقتراب، رغم القرب حد التلامس، في رواية بها عالمان وعامان مختلفان وقمران يظهران في السماء، وأناس صغار وفوضى عارمة تشك إن كان  اللقاء مكتوبًا في تلك الرواية، كما لا يكتب كثيرًا في الحياة ذاتها، تعرض وجهه نظر هارواكي، وحتى أن يكون لك حبيب تفكر فيه باستمرار، وتختبر شيئًا حقيقيًا للغاية، ولو للحظات قليلة تبقى عالقة في وجدانك للأبد، فذلك شيء عظيم أفضل من أن تعيش بلا حلم ما، ولا شخص ما تعتقد أنه يكملك حتى مع استحالة الوصول، لكن يلتقى أومامة وتنجو أخيرًا وفجأة يقود المخرج للقاء وتكتشف أن الحكاية من البدء للنهاية هي الرواية الأزلية التي لا نمل منها ولو كررت ملاين المرات: (فتاة وفتى واقعان في الحب).

روايات هاروكي موراكامي نوع ثوري من المخدرات تمامًا كما يفعل المخدر من عدم اتزان عام والتباس في الزمان والمكان تشعر فجأة أنك انتقلت إلى عالم مغاير.. قدم في الواقع وقدم في الخيال، وأنت لا تعرف بأي قدم تطأ الآن، وتنتهي كما ينتهي تأثير أي مخدر، تحلق بك في عوالم خاصة وخيالية جدًا ما أن تصل إلى فترة عمر النصف تود أن لا تنتهي أبدًا، النهاية تعني أن يختفي تأثير المخدر وينتهي الأمر تمامًا، وفي النهاية لماذا يتوجب علينا أن ننتهي أصلًا طالما مازال بالإمكان نمضي أكثر.

نهايات ماركيز أحيانًا تبدو ليست نقطة، ولكن فصلة وتوقف السرد لا يعني بالضرورة انتهاء الحكاية حتى أن الشخصيات كما هي، تعود في قصص أخري تحكي من جانب غير ذلك الذي كانت تصور منه مثلما في (جنازة الأم الكبيرة)، و(يوم بعد يوم السبت).

وكان ماركيز يكتب علي سجيته ويقول حتى وهو يتحدث عن نفسه: عندما كنت أفعل كذا وكذا كان خوسيه بوين ديا قد وصل إلى ماكندو، ذلك في الرواية العظيمة الخارقة لكل شيء قبلها (مائة عام من العزلة)، والتي انتهت نهاية لم يفهمهما معظم القراء حيث تتحق النبوءة في النهاية وتبدو مدينة المرايا ماكندو التي تتكرر فيها الأسماء والأشخاص بشكل غريب.

لتبقى نهاية (ليس للعقيد من يكاتبه) بإجماع الكثيرين من أكمل النهايات في تاريخ الأدب وهي في الواقع نقطة ينتهي عندها النقاش والحكاية ليست فاصلة، بل نهاية صريحة جازمة ومرضية لكل القراء.

فقالت المرأة:

-هذا إذا كسب الديك، ولكن إذا ما خسر، ألم يخطر ببالك أن الديك قد يخسر؟

-إنه ديك لا يخسر.

-ولكن افترض أنه خسر!

-مازال أمامنا 45 يومًا لنفكر في هذه الأمور.

سيطر اليأس على المرأة، فسألته:

وحتي ذلك الحين، ماذا سنأكل؟ ثم جذبت الكولونيل من عنق قميصه الداخلي وهزته بقوة.

-قل لي، ماذا سنأكل؟

لقد احتاج الكونيل لـ75 سنة، الـ75 سنة التي عاشها، دقيقة دقيقة، ليصل إلى هذه اللحظة. فأحس بالنقاء، والوضوح، وبأنه لا يقهر في اللحظة التي رد فيها.

لبيرد العقيد الصبور المتحايل علي الواقع والذي يبطن انفعالاته أكثر ما يبدها ليصل إلى درجة الترسيب ويرد بكل قوة.

(خراء)

تلك النهاية التي أرضت الجميع وكانت كهدف يسجل في آخر دقيقة من مباراة مملة معظم قراء مركيز من هواة التحليق مثله، ولو في كتاب، شعروا بكم المعاناة التي عاناها العقيد الحزين علي فقد ابنه الوحيد والذي يجد بعض السلوي في رؤية أصدقائه، مازال به أمل لخوض تجربة ورهان جديد، العقيد الحالم المجازف في سجن البقاء مع التقليدين من الناس وكم هي قصة حزينة ومكررة.

نصفق كلنا مع النهاية (أحسنت أيها العقيد ولو متأخرًا).

ومن بعض النهايات التي أثرت في معظم القراء مثلًا نهاية عزازيل ليوسف زيدان، حيث يترك هيبا الراهب والطبيب في النهاية الدير ومعه أعوام من الشك والصبر والمقاومة ويقرر أن يعود للوطن، نهاية اللجنة، لصنع الله إبراهيم، حيث يفقد البطل الأمل الذي كان يحتويه في تحسين ذاته ومستقبله، والمتمثل في اللجنة المزعومة التي يقف أمامها راضيًا الإهانة والتفتيش والرقابة الكاملة عليه، ويبدأ في الأحتكاك بالمجتمع حوله دون أي تغير غير شعوره بالأستنزاف المعنوي والغضب، ويبدأ في النهاية في تنفيذ الحكم عليه بأكل نفسه!

نهاية الخميائي لباولو كوهليو حيث تنتهي الأحداث بمعرفة البطل الذي تغير وتعلم ووجد الحكمة والحب في رحلته للبحث عن كنز في مصر إلى معرفة أن الكنز كان دائمًا في المكان الذي بدأ منه، لكن الثمن والكنز في الوقت ذاته هو كل ما مر به في رحلته.

النهايات هي الشيء الذي يوجع في معظم حكايتنا والذي يحاول الجميع تعديله لصالحه، ولو حتي بشكل درامي وموقف يلخص كل شيء ويقول كيف بدأنا وكيف وصلنا إلى تلك النقطة وليس غيرها.. ونحن في الغالب نكتب لنضع أوزارًا وحمولًا عن ضميرنا المثقل فنقول ما يعترك في القلب فنجد من يفهمنا كأنه شاركنا الكتابة والوجع.. أو نكتب لنهرب من الواقع ونتعالى عليه، ننحيه ونكتب غيره فلربما نقهره قليلًا.. جزء من المشاعر التي نختبرها في الحكاية التي نقرأها نشعر بها حقيقة علي قدر تفاعلنا معها.. يقولون كل ما خطر في بالك في ذلك العالم يحدث كم هو في عالم آخر، والروايات عوالم موازية قالت: ألمنا وغربتنا.. عرضت تجاربنا وفلسفتنا ونقلنا فيها الواقع من زوايتنا، أو حدث فيها كل ما لم يحدث لنا أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد