خلال دراستي للأدب الإنجليزي قرأت روايتين أعتبرهما الأجمل يين الروايات التي قرأتها هما (مرتفعات وذرينغ) في القرن التاسع عشر للكاتبة الإنجليزية إميلي برونتي والتي تروي الحب والوحشية والرعب والعنف والانتقام والقسوة في آن واحد والظلم المتوارث عبر الأجيال وكيف أن الحق لابد أن ينتصر في النهاية، والثانية (اللؤلؤة) في بداية القرن العشرين للكاتب الأمريكي جون شتاينبيك والتي ترينا كيف أن الثروة يمكن أن تكون مصدر قلق وخوف دائم وليس العكس والأهم هو أن يكون الإنسان مرتاح النفس مطمئن البال.

وفي روايتين للكاتب الإنجليزي الاشتراكي جورج أورويل في منتصف القرن العشرين يفضح بهما الشيوعية والأنظمة الشمولية إلى الحد الذي جعل الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية والشمولية بشكل عام تقوم بحظرها هما مزرعة الحيوان وهي رمزية حيث تشبه روسيا بمزرعة حيوانات كان يملكها رجل مترف سكير يسيء معاملة الحيوانات، فتثور عليه هذه الحيوانات وتطرده في إشارة للثورة البلشفية ضد القيصر وفي هذه الأثناء يقوم أحد الخنازير ممن قادوا الثورة بتربية جراء صغيرة لتكون كلاب حراسة له عندما تكبر ويستطيع من خلالها السيطرة على باقي الحيوانات وطرد رفاقه ممن قادوا الثورة ضد السيد، في إشارة لستالين ونفيه لرفيقه تروتسكي وحملة التطهير التي قادها داخل الحزب الشيوعي من خلال أمنه السري، وكيف أن الخنازير التي نادت بالمساواة أصبحت تنام على الأسرّة وتمشي كالبشر الذين ثارت عليهم وتميز نفسها عن باقي الحيوانات كجماعة الحزب الشيوعي التي أصبحت الطبقة الرأسمالية الجديدة في روسيا.

ورواية 1984 التي تتخيل قيام نظام شمولي في إنجلترا والمجتمعات الأنجلوسكسونية شبيه بالنظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وذلك سنة 1984 فتصور نظام الحزب الواحد بقيادة الأخ الكبير الموجود من خلال صوره وتمجيده في كل مكان والذي من المحتمل أنه لا وجود له أصلًا وتشبه شخصية هذا الرجل شخصية ستالين حتى في الشكل، وتصور تسلط أجهزة الدولة حتى على تفكير المواطنين وأي تفكير لا يوافق ما يقوله الحزب الحاكم يعتبر جريمة فكر قد تودي بك إلى غياهب السجون وأساليب التعذيب المروع كوضع وجهك في قفص به فئران جائعة إن لم تتب وأقله أن توضع في مستشفى المجانين حتى تعود إلى رشدك وتتخلى عن تفكيرك المنحرف.

من أكثر المسرحيات الأمريكية نجاحًا أيضًا مسرحية «عربة اسمها الرغبة» للمؤلف المسرحي الشهير تينيسي وليامز، التي تمثل التناقضات التي عاشها المجتمع الأمريكي الجنوبي عقب الحرب الأهلية من خلال زيارة تقوم بها امرأة جميلة أربعينية مطلقة ابنة إحدى العائلات الأرستقراطية في الجنوب التي خسرت معظم أملاكها خلال الحرب إلى أختها المحبة المتزوجة من رجل غير متعلم فيه طباع همجية وسلوك بدائي من بيئة متواضعة تعود أصوله إلى أوروبا الشرقية، وهنا يبدأ الاحتكاك بين رمزي الطبقتين؛ فأخت الزوجة لا تستطيع تقبل الواقع الذي حالت إليه الأوضاع وأنها أصبحت فقيرة بلا مورد مال، وزوج أختها الذي ينزعج من تعليقاتها على أسلوب حياتهم وتكبرها عليه وتبلغ ذروة الصراع عند تلاسنهم في منزله عندما كانت أختها في المشفى بعد وضعها مولودها، وبسبب سكره يتهجم عليها ويقوم باغتصابها مما يؤدي إلى فقدانها عقلها تقريبًا وعندما تبوح لأختها بما حصل لا تستطيع أختها تصديق ذلك وتقنع نفسها بأن أختها قد جنت، ويقنعها زوجها بدوره بإرسالها إلى مشفى الأمراض العقلية فتوافق أخيرًا حتى لا تصدق أختها وتخسر عائلتها خاصة بعد إنجابها الطفل في مشهد يجسد أفول الطبقة الأرستقراطية وتمكن الطبقة العمالية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو موقف الأخت عندما خيرت بين أختها من جهة وزوجها ومستقبل عائلتها من جهة أخرى، خاصة أنه من المرجح أنها علمت الحقيقة وطاوعها قلبها بإرسال أختها إلى المصحة، فهل هي انتهازية مصلحية أم واقعية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد