لم يكن سعيد مهران في (اللص والكلاب) سارقًا عاديًا؛ فقد تعلم أصول اللعبة عن أستاذه الصحافي رءوف علوان، ولذلك فإنه لم يفكر بعقلية السارق البسيط، وكان زعيمًا للعصابة، وصاحب مبدأ مفاده: أن السرقة من اللصوص هي العدالة بفصها ونصها! كان يسرق الأغنياء ويرى أنه ليس آثمًا، فهؤلاء أغنياء لن يضيرهم اجتزاء بعض ما اكتسبوا، وبهذا المنطق يسرق صغار الأدباء كبارهم، وربما العكس أحيانًا، والحجة جاهزة والتبريرات (على قفا من يشيل). فما هي السرقات الأدبية؟ وما أشهر طرائف تلك السرقات؟ ولماذا قدمنا الحديث عن طرائف السرقة قبل الخوض في السرقة ذاتها؟

بدايةً يفرق البعض بين السرقات الشعرية والسرقات النثرية، وكلها تدخل في باب السرقات، وإن أبدع تصنيف للسرقات ما ذكره ابن الأثير في المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر فقال: السرقات ثلاثة أنواع: النسخ، والسلخ، والمسخ. أما النسخ فأخذ المعنى واللفظ برمته من غير زيادة عليه، والسلخ أخذ بعض المعنى، وهو مأخوذ من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم، والمسخ إحالة المعنى إلى ما دونه، ومأخوذ من مسخ الآدميين قردة.

أما الحاتمي في حلية المحاضرة فقد ذكر تسعة عشر نوعًا للسرقات الأدبية، وقال في مستهل حديثه عن السرقات والمحاذاة: هذا فصل أودعته فِقرًا من الانتحال والاختزال، والاقتضاب والاستعارة، والإحسان في السرق والإساءة، والنظر والإشارة، والنقل والعكس، والتركيب والاهتدام، والسابق واللاحق، والمبتدع والمتبّع، وغير ذلك مما يفتقر الأديب المرهف إلى مطالعته، وجمعت من شِتات ذلك مؤونة الطلب والجمع، وفرقت بين أصناف ذلك فروقًا لم أُسبق إليها، ولا علمت أن أحدًا من علماء الشعر سبقني في جمعها.

تناول عدد كبير من النقاد القدماء والمحدثين السرقة الأدبية، وهي إشكالية تؤرق النقاد، ولا غرابة في أن نجد الأعشى الكبير، ميمون بن قيس بن ثعلبة، يتبرأ من هذا الداء وقد رماه النعمان بن المنذر بانتحال الشعر وحبسه ليختبره؛ فيقول:

وقيدني الشعر في بيته كما قيدَ الآسِراتُ الحمارا
فكيف أنا وانتحالي القوافي بعد المشيبِ كفى ذاك عارا

وظهرت مصطلحات حديثة في عالم النقد منها التناص والتأثير والتأثر، لكننا سنعرض لها في مقال منفرد، ونكتفي هنا بالحديث عن بعض السرقات وأكثرها طرافة وغرابة.

السرقة الأدبية مرض قديم

هل السرقة الأدبية بعيدًا عن الشعر مستحدثة؟ والجواب: لا، قولًا واحدًا، وأكتفي بمثالٍ واحد في هذا الإطار؛ فقد أورد شمس الدين السخاوي في كتابه: (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر) بابًا تحت عنوان: (فيمن أخذ تصنيف غيره فادعاه لنفسه وزاد فيه قليلًا، ونقص منه، ولكن أكثره مذكور بلفظ الأصل)، وفيه كتب السخاوي:

كتاب البحر للروياني أخذه من الحاوي للماوردي، وكتاب الأحكام السلطانية لأبي يَعْلَى أخذه من كتاب الماوردي، لكن بناها على مذهب أحمد، وشرح البخاري لمحمد بن إسماعيل التَّيمي أخذه من أبي الحسن بن بطّال، وشرح السنة للبغوي مستمد من شرحي الخطابي على البخاري وأبي داود، وكتاب الكلام على تراجم البخاري للبدر بن جماعة أخذه من تراجم البخاري لابن المنير باختصار، وكتاب علوم الحديث لابن أبي الدم أخذه من علوم الحديث لابن الصلاح بحروفه وزاد فيه، وكتاب محاسن الإصلاح وتضمين كتاب الصلاح للبلقيني مأخوذ من كتاب ابن الصلاح، وكل ما زاد عليه مأخوذ من إصلاح ابن الصلاح لمغلطاي، وأيضًا كتاب شرح البخاري لابن الملقن جمع النصف الأول من عدة شروح، ثم اقتصر في النصف الثاني على شرحي ابن بطال وابن التيِّن.

واستطرد  السخاوي: وقرأت بخط شيخنا يقصد – العلامة ابن حجر – أن طبقات الشافعية لشيخه ابن الملقن؛ فوجدها منقولة من كتاب الطبقات الوسطى للقاضي تاج الدين السبكي ما خلا 10 تراجم. كما أن كتاب الإصابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي أخذه من كتاب أبي منصور البغدادي وزاد فيه، وكتاب شرح العمدة للبرماوي مشى فيه المؤلف على شرح ابن الملقن من أوله إلى آخره.

من أحدث السرقات الأدبية

ظهرت مفاجأة على قناة  العربية الفضائية ومنها لمواقع التواصل الاجتماعي حول رواية عزازيل الصادرة عام 2009 للدكتور يوسف زيدان، وراج القول إن غالبية تفصيلات وفكرة الرواية مأخوذة بنصها وفصها من رواية معروفة باسم (هيباتيا) واسمها الأصلي (أعداء جدد بوجه قديم) تعود إلى القرن التاسع عشر، ومؤلفها إنجليزي يدعى تشارلز كينغسلي. وفي 2011 تنازع الشاعر هشام الجخ مع الشاعر عبد الستار سليم حول عدد من المربعات الشعرية، وهي القضية التي قضت محكمة القاهرة الاقتصادية في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 بتغريم الجخ 50 ألف جنيه تعويضًا ماديًا لعبد الستار سليم.

أيضًا في 2011 حمي الوطيس بين الشيخ الدكتور عائض القرني والكاتبة السعودية سلوى العضيدان حول كتاب (هكذا هزموا اليأس)، وفي فبراير (شباط) 2018 تجدد الحديث عن سطو أدبي للقرني على كتابات الأديب السوري عبد الرحمن رأفت الباشا، وحكم القضاء بتغريم القرني 8 آلاف دولار أمريكي. في العام الماضي 2017 نسب الداعية وسيم يوسف لنفسه 40 مقالة للكاتب أدهم شرقاوي، وقدم منها برنامجه التلفزيوني رحيق الإيمان!  وفي العام نفسه دارت رحى الحرب بين الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي والخليجية روان بن حسين بعد صدور كتابها (كما لم تحب امرأة).

اقرأ أيضًا: وسيم يوسف.. سرقةٌ لا تناص

في ذات الإطار نشر الموقع الإلكتروني «سكاي نيوز» العربية تحت عنوان: سرقات أدبية تدمر أحلام مسؤولين حكوميين، ومن بينهم كانت وزيرة التعليم والبحث العلمي الألمانية أنيتا شافان، ونشر منبر ضفة ثالثة التابع لموقع «العربي الجديد» مقالة بعنوان: (السرقات الأدبية العربية عام 2017 قمة جبل الجليد)، وكلها تعرض لمآسي السرقات الأدبية، وسطوة من لا يملك الإبداع على غيرهم؛ فكانوا بلاءً على الأدب والأدباء، بل على العلم وأهله كذلك، وهذا موقع يعرض لأهم السرقات في عالم الصحافة والأدب المعاصر.

السرقة الأدبية تحت تأثير الكحول

رفض الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير (1821 – 1880) أن يتزوج، وكان يخشى أن ينشغل عن فنه، وكذلك كان نجيب محفوظ حتى سن الأربعين، لكن فلوبير أوقعه القدر في فخ مؤقت بالحسناء الفرنسية لويز كوليه، وكانت تريد الاستئثار بقلب فلوبير، لكنه قاوم ونجح في التخلص منها. ليس الأمر مهما حتى الآن، لكن المدهش أن كوليه كانت تتعمد استعمال تضاريسها الطبيعية؛ ففتن بها كوزان عضو الأكاديمية الفرنسية للأدب، وكان يسخر نفوذه لخدمتها، ولتفوز بالمركز الأول دون وجه حق إلا أنه أسير جمالها.

بعد التعرف على فلوبير، كان على كوليه أن تتقدم بإحدى قصائدها للأكاديمية؛ فقد اقترب الموعد النهائي لتسليم الأعمال الفنية، ولأن قريحتها الفنية سقيمة ورديئة؛ فقد آلت على فلوبير إلا أن يكتب لها قصيدة، وأغلقت عليه وصديقه بويليه الحجرة ورفضت خروجهما إلا بعد أن ينظما القصيدة. أسقط في يد فلوبير وصاحبه، وكان في الحجرة خمرٌ فشربوا وثملوا، ولاح الخيط الأسود دون أن ينجزا شيئًا، وتحت تأثير السُكر تناول أحدهما أحد دواوين لامارتين، وأملى على صديقه بضع أبياتٍ منه، وأنجزا المهمة وخرجا بعد يأس من هذا المأزق.

فازت كوليه بالمركز الأول، ونُشرت القصيدة في الصحف، وانتبه الجميع للسرقة الأدبية السافرة، وكانت بمثابة القنبلة المدوية على رأس الأكاديمية، وأشارت لجهل القائمين على الجائزة بأشعار لامارتين أحد أهم شعراء فرنسا، فأصبحوا بعد اكتشاف الصدمة على غمةٍ من الأمر، ولم تدرِ كوليه فداحة الموقف ولا يعنيها؛ فالمهم أنها اقتنصت الجائزة بتقاسيم قدها المياس، وعلى دولة الشعر السلام! واليوم ترى من تغني بجسدها، وتمثل بمساعدة مفاتنها وهلم جرا!

السرقة من اللوح المحفوظ

ذكر الدكتور محمد رجب البيومي، في كتابه (طرائف ومسامرات) ملاحظة حفني ناصف أن الفصل الأخير من كتاب المؤرخ محمد الخضري (نور اليقين في سيرة سيد المرسلين) مأخوذٌ – دون زيادة أو نقصان – من كتاب (الشفاء) للقاضي عياض، ولم يذكر الخضري كتاب الشفاء ولو في قائمة المراجع! فكتب ناصف في صحيفة يومية ما مضمونه أن اللوح المحفوظ ضمَّ كل ما يأتيه الخلق إلى يوم الدين، وقد كان القاضي عياض من كبار الأولياء المقربين؛ مما أتاح له الإطلاع على اللوح المحفوظ، فقرأ كتاب الخضري وأخذه الإعجاب مأخذًا بلغ منتهاه، حتى أن الفضل قد نقل عن الخضري الفصل الأخير من كتابه بحذافيره! فالفضل للخضري على القاضي عياض، وليس لجاهلٍ أن يتوهم العكس! كان تهكم ناصف كفيلًا بردع الخضري عن هذا المسلك المشين، وتناولتها الصحف فترة طويلة.

المازني يسقط في فخ السرقة

لم يسلم إبراهيم عبد القادر المازني (1889 – 1949) من السرقة الأدبية، ومع أنه حاول التملص والتخلص بشكل ساخر من الموقف، لكن السرقة تبقى سرقة تحت أي ظرف. يرى بعض أهل الأدب أن المازني أديب ألمعي، وأن شهرته في عالم الأدب لم تتناسب مع حجم موهبته الكبيرة، ولو أنه أخذ الأمر بجدية أكثر مما كان عليه؛ لأصبح من رواد الأدب العربي. وكان يغلب عليه طابع الاستهتار، وفرضت عليه متطلبات الحياة المادية تقديم الصحافة، مصدر رزقه، على الأدب الذي برع فيه. بلغ من استخفاف المازني أنه نقل فصلًا كاملا مترجمًا من عمل أدبي عالمي، وأضافه إلى روايته (إبراهيم الكاتب)، وقد أقر المازني بذلك في مقال بعنوان (السرقات الأدبية) بمجلة الرسالة، في العدد 213 بتاريخ 2 أغسطس (آب) 1937.

وقبل الختام

فلسفَ سعيد مهران السرقة واستساغها، وكذلك يفعل أصحاب السرقات الأدبية، وليس كل اللصوص يسطون على الأدباء؛ فقد دخل بعض اللصوص في باريس شقة ليسرقوها، وتبين لهم أنها شقة الكاتب والفنان المسرحي ساشا غيتري (1885 – 1957)؛ فأحجموا عن سرقتها وكتبوا له اعتذارًا جاء فيه: جئنا لنسرقك، وعندما علمنا أن البيت لك عدلنا عن السرقة؛ لأننا نحبك ونعرف قدرك، ولك التحية والاعتذار. كانت هذه كلمات سارق مادي؛ فهل يرعوي سارقو الأدب؟!

وفي الختام

ما أروع قول طَرَفَةَ بن العبد:

وَلا أُغيرُ عَلى الأَشعارِ أَسرِقُها عَنها غَنيتُ وَشَرُّ الناسِ مَن سَرقا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد