من الجلي أن أول الأشياء التي تؤثر في الأدب أينما كانت جذوره هو المجتمع، وجوهر كل شيء الإنسان. علاقة الأدب بالمجتمعات هي علاقة تتسم بالجدل، الشيء الذي تفرضه مقومات النشأة وكذا التطور داخل هذا الوسط، فالظروف والمناخ العام لمجتمعٍ ما يفرض دائمًا ظهور نوع جديد من الالتزام بالأوضاع السياسية والاجتماعية التي تعرف التغيرات؛ فهي صيرورة وجودية، قد تكون سلبية أو إيجابية. والقصد مما قيل أن الأديب ينصهر في مجتمعه وينشغل بكل القضايا التي تكاد لا تنفك عن شخصيته فيصير جزءًا منها، ومراتٍ يتطور نطاق المجتمع ليشمل العالم وقضاياه، فيجد الأديب نفسه مسؤولًا عن التأريخ والنضال والتعبير عن كل ما يقع حوله، فهو ليس بمقدوره الانعزال بشطحاته الفكرية عن الإنسانية وسلك دروب التصوف والزهد والانزواء في برج عاجي، فوجدان الأمة هو مصدر الإبداع والإلهام لكل أديب ورسام بالكلمات ليحيل الواقع الحقيقي إلى واقع لغوي فني جميل يحمل رسالة إنسانية عامة.

وبالرجوع إلى الوراء، إلى أقدم الإنتاجات الأدبية، وهي الشعر القصصي اليوناني،«صورة الالياذة»؛ إذ جاء في المدخل الاجتماعي للأدب، أننا سنجدها لا تتغنى بعواطف فردية، وإنما تتغنى بعواطف الجماعة اليونانية لعصرها، مصوِرة حروبها فى طروادة ومَن استبسلوا فيها من الأبطال، ومن هنا نشأ القول إن ناظمها ليس هو هوميروس وحده.

وبالرجوع الى الشعر الجاهلي العربي، نجد أنه كان مرآة عاكسة للمجتمع، يصور حياة الإنسان العربي وباديته وطقوسه، ماضيه وحاضره. كما كان يشاع، ديوان العرب يعكس حياة العرب في صدقٍ تامٍّ. ولنا هنا أن نقتبس شعر عمرو بن كلثوم، الذي استطاع بقصيدة واحدة أن يخلد اسمه في التاريخ، وقبله في الذاكرة الجمعية لقبيلته «تغلب»، حتى تداولت القصيدة جيلًا بعد جيل. القصيدة التي كانت تتغنى بالقبيلة، وقضاياها وليس عن شخصه أو حب هام فيه يخص شخصه فقط. فارتباط الشعر الجاهلي كان بالقبيلة وأمجاد العرب والسلاطين، وقلة هي القصائد التي لم يأتِ في مضامينها العشيرة.

من منطلق آخر، كان الأديب يعد نفسه مقاومًا، لا يبيع الكلمات أو يبحث عن شهرة تشفي نرجسيته، بل كان يحمل عبء مجتمعه على كتفيه، وعبء الإنسانية والمشكلات التي نتشارك فيها جميعًا والقضايا التي توحد هشاشتنا رغم اختلاف سلاسل العادات.

لم يكن الشعر كاملًا ليمدح ويتغزل، فهناك من أشهر القوافي في وجه من اغتصب موطنه واحتل أراضيه، فالعالم يشهد أن محمود درويش شاعر القضية الفلسطينية، كان له دور أساسي ومحوري في التعريف بفلسطين وتصوير وجع الفلسطينيين للغرب، فشعره الذي تُرجم لعشرات اللغات انتصار للقضية ولو بجعلها عالقة في الأذهان خالدة محفوظة من النسيان.

مثال آخر قد تكرر ذكره في كل دراسة تبلورت حول الأدب الإنساني، الشاعر الألماني يوهان فولفجانج جوته، صاحب نظرية عالمية الأدب أو الأدب العالمي، لعله أول من أثار هذه القضية، وتَخَيَّل أنَّ الآداب المختلفة تجتمع كلها في أدب واحد كبير تقوم فيه الشعوب بدور الروافد التي تصب إنتاجها في هذا النهر الكبير أو الأدب العالمي. فقد كان جوته شديد الإيمان بالإنسانية الواحدة، كالبنيان يشد بعضه بعضًا، تتعاون أفرادًا وجماعاتٍ على طريق الحكمة، وتسعى إلى الحق والخير والجمال.

الكاتب يتجاوز بحسه الكتابة وتصوير الواقع، يتجاوز عمل المؤرخ الجاف، فيصور ما يقبع خلف المشاعر، لا نتحدث هنا عن نبلها أو وضاعتها، لكن الأديب رغمًا عنا له قدرة على تحويل مشاعرك، يتحكم فيها عبر بديع المفردات، قد يؤثر بك وقد يجعلك تكره وتنبذ طرفًا ما، الكاتب الجيد يعرف حق المعرفة كيف يحولك من ذات محايدة تريد فقط أن تسبر أغوار نص جديد وتكتشف عوالم ليست مألوفة، إلى شخص يخلص بموقف لم يختره بمحض إرادته بل تم التلاعب به لكي يتعاطف مع جهةٍ ما. هنا تكمن خطورة الأدب.

إن علاقة الأدب بالواقع الاجتماعي يجعل دور الكاتب رؤية الواقع واستقراء ما يدور بداخل الأشخاص من حوله ، ليصير بذلك راصد للواقع وبالوقت ذاته يحل شيفرة الذات الداخلية للإنسان، يحل لغز الإنسانية، بدءًا من مجتمعه الذي يعلم جيدًا خباياه، ومن ثم السياق العام، البشرية لكل قضاياها، وحسب يحيى عمارة، الإنسانية تبرز ذروتها بعد الخيبات والنكسات خاصةً بعد الحروب. ولعلَّ هيمنة التيارات الإنسانية بعد الحربين العالميتين خير دليل على هذه الظاهرة؛ إذ مباشرةً بعد نهاية الحربين، قامت الأمم عبر مثقفيها ومفكريها وفنانيها وأدبائها، في جميع أنحاء العالم بالحثِّ على نشر الإنسانية؛ عبر المناداة بالتخلي عن ثقافة الهدم والدمار، والتشبث بثقافة البناء القائمة على التعايش والتحاور، أينما كان، والعمل على نشر هذه الثقافة بين الناس وإعطاء الشرعية لِحَقِّ الإنسان في الانفتاح بسلام وأمان وجوديين.

ثم إن سؤال الإنسانية في الأدب العالمي يتجاوز كل الحدود، ليعبر إلى قوة الحق ونبل العيش، وانتماء المبدعين من النخب الى تيار تقديس الإنسانية والعدل، حتمًا سيكفينا مغالطات كثيرة يروجها تجار الكلمات، فكل شيء يباع ويشترى، التاريخ والقضية وضمائر البشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد