ليس لك زمانٌ حقيقي خارج لهفتي

أنا زمانك.

ليس لك أبعادٌ واضحةٌ

خارج امتداد ذراعي

أنا أبعادك كلها

زواياك ودوائرك..

خطوطك المنحنية..

وخطوطك المستقيمة.

يوم دخلت إلى غابات صدري

دخلت إلى الحرية

يوم خرجت منها

صرت جارية..

هكذا -بتعالٍ ذكوري- يخاطب نزار قباني (شاعر المرأة) المرأة بامتهان لا يتجانس إلا والعقل الغرائزي الذي علقت به ترسباتٌ من أيام الجاهلية الأولى التي تنتقص من المرأة، وتحقر من شأنها.

وتلك العادات البالية كانت تجعل المرأة ملكية خاصة للرجل، فله الخيار بين وأدها في مهدها، أو تجريدها من إرادتها وقراراتها حتى في خاصة أمورها كالزواج، فلم تكن ترث؛ بل تورث كباقي الممتلكات، ولا قصاص لها، ولا دية على قاتلها. وأما العلائق الاجتماعية فكذلك كانت المرأة هي الحلقة الأضعف فيها، فكان الطلاق على لسان ذكور الجاهليين ضربًا من ضروب الطرفة يتندرون به في أحاديثهم، ويتفكهون به في مجالسهم، وهذا رؤبة بن العجاج يقول:

إذا العجوز غضبت فطلق

ولا ترضاها ولا تملق

واعمد لأخرى ذات دل مونق

لينة المس كمس الخرنق

لم يمر الإسلام بهذه العادات دون أن يطمسها وينشئ قواعد جديدة تجعل من المرأة شقيقة للرجل، ووارثة كالرجل، ولها الحق في العمل كالرجل، ولها مالها وعليها ما عليها كما الرجل. وقد قال عمر بن الخطاب: «والله إنا كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم».

ولما ولجنا العالم الحديث أريد للمرأة أن تعود كما كانت في عهدها الأول، وقد تكفل بذلك الإعلام الذي ناب عن الشيطان في بعض أموره، وكفاه بعض مؤونة العنت.

فقد استغل الإعلام المرأة -بحجج الحرية والتحرير- باستخدامها وسيلة لجذب المشاهدين، والعزف على غرائزهم، والعبث بمشاعرهم، لغرض تحقيق مآرب لا يدركها المشاهدون أنفسهم. ومطمح الإعلام الأبرز هو مسخ الإنسان حتى يصير إمعة لا يملك قراره، فيسهل بذلك على القوى الكبرى المتحكمة بهذا الإعلام تمرير أجنداتهم دون اعتراض من أحد، وقد نجحوا بذلك في تغيير ثقافات شعوب وتغيير أمزجتها، وبالتالي السيطرة على قراراتها لصالحهم.

فلا تكاد تشاهد إعلانًا تجاريًّا ليس فيه امرأةٌ متمايلةٌ اختيرت حسب مقاييس جمال أعدها خبراء في المجال، وعليها نصف لباس أو دون ذلك. ولم يعد مستغربًا أن تظهر فاتنةٌ في إعلان دعائي لتسويق عطر رجالي. نعم هكذا، إغراء صريح بكل إسفار ودون أي إضمار.

إذا كان هذا النوع من الابتذال والامتهان للمرأة صار مألوفًا في قنوات الدعاية التجارية، والمسلسلات الهابطة، والبرامج الإباحية، فمن المستغرب أن يجلو على قنوات الأخبار. فهذه القنوات أيضًا تضع لمذيعاتها معايير للظهور يراعى فيها مقاس اللباس، وقصة الشعر، ولون البشرة، ونوع المكياج والزينة. لك أن تتخيل مذيعة على شاشة إخبارية وهي في كامل زينتها وبهرجها تتلو على المشاهدين أخبار الحروب وأعداد القتلى، وخلفها مشاهد من الحطام والأشلاء.

أما قنواتنا العربية فما هي –للأسف– إلا نسخةٌ مدبلجةٌ عن المنتوج الإعلامي الغربي، بدون اعتبار يذكر لكل الفروقات الدينية والثقافية والمعيشية. وهكذا إعلام جعل الشرق متلقيًا للفكر ومتأثرًا به فحسب، فجعل بذلك من العولمة محسوبة عليه لا رصيدا له، ولك أن تحدث عن النتائج الكارثية لذلك ولا حرج.

وفي حرب غزة الأخيرة التي تابعها كثير منا ونحن قعود على أريكة العجز، متسمرين أمام شاشات القنوات الأخبارية، وكنا نرى مشاهد الغارات المتتالية، وآثار الدمار الضخمة، والأشلاء المتناثرة، والدماء المختلطة مع الركام. حدثني صديقي حين وضعت الحرب أوزارها عن صديقه الذي أخبره أنه كان يأخذ لبه منظر المذيعات الفاتنات عن كل مشاهد الحرب تلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات