والشعر لُبّ لسان المرءِ يعرضُهُ … على المجالسِ إن كيسًا وإن حُمُقا

وإنّ أشعر بيتٍ أنتَ قائلـــــــــــهُ … بيتٍ يقال إذا أنشدتَهُ: صدقــــــــــا

«الـــشعر ديـــوان العـــرب، ومعـــدن حكمتهـا، وكنـز أدبهـا»1، ولولا الشعر؛ لما علمنا أخبار العرب، ولا آثارهم، ولا طريقة معيشتهم، ولا ثقافتهم، فقد كان الشاعر: حاميًا لقبيلته حافظًا لمآثرها، وذائعًا لمفاخرها، وناشرًا لمحامدها، «وكانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر؛ أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن بالمظاهر كما يصنعون في الأعراس، ويبشر الرجال والولدان أنه حمايةً لأعراضهم، وذبًا عن حسابهم، وتخليدًا لمآثرهم، وإشادةً بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلا بغلامٍ يولد، أو شاعرٍ ينبغ فيهم، أو فرسٍ تنتج».2

«لقد كان للعرب دولة من الكلام، لكنها ظلت بلا ملك حتى جاءهم القرآن».3 وإزاء عجزهم وقوفهم مكتوفي الأيدي أمام جلال القرآن وعظمته وبلاغته وفصاحته وحكمته؛ أخذوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم في شعرهم، فكان ممن سبه: أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم الرسول، وعبد الله بن الزبعري السهمي القرشي، وضرار بن الخطاب الفهرس، والحارث بن هشام بن المغيرة أخو أبي جهل، وهريرة بن أبى وهب اﻟﻤﺨزومي، وأبو عزة الجمحي، وكعب ابن الأشرف، وأيضًا عمرو بن العاصي وأبو سفيان بن حرب قد رويت لهم أشعار في المعارك الكلامية، إلا أن أشهرهم على الإطلاق هو «كعب بن زهير بن أبي سلمى» فقد سب النبي صلى الله عليه وسلم بعد إسلام أخيه «بُجير»، فأباح رسول الله دمه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ضاقت عليه الأرض، وأنشده قصيدته المشهورة «البردة»، ففتح بها بابًا كبيرًا لقصائد شتى يمدح فيها الشعراء رسول الله وتُلقب بالبردة، لكن أشهرها ثلاث: بردة كعب بن زُهير، وبردة الإمام البوصيري، ونهج البردة لأمير الشعراء أحمد شوقي.

ما البُرْدَة؟

«البردة لغة: كساء يُلتحف به وجمعه: بُرُد، والبُرد، بضم فسكون: ثوب مخطط جمعه أبراد، وأبرد ، وبُرُود. وقيل:إذا جعل الصوف شقة وله هدب فهى بردة».4

كما ورد أنها «قطعة طويلة من القماش الصوفي السميك الذي يستعمله الناس لستر أجسامهم أثناء النهار كما تتخذ غطاء في أثناء الليل، وكانت البردة معروفة عند البدو، ومن أشهرها برود اليمن».5

وعن أنس بن مالك قال: «كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسه الحَبْرَة»، وهي ضرب من نوع برود اليمن.

وعن سهل بن سعد قال: «جاءت امرأة ببردة قالت: هل تدرون ما البردة؟ قال سهل: نعم، هي الشملة منسوج في حاشيتها، قالت يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها الرسول صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها».

بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي اليَومَ مَتْبُولُ

هي بردة كعبٍ بن زهير بن أبي سُلمى بن ربيعة بن رباح، ووالده زهير من فحول الشعراء، ومن الثلاثة المقدمين على سائر شعراء الجاهلية، وكان عمر رضي الله عنه لا يقدم عليه أحدًا، ويقول: أشعر الناس الذي يقول: «ومن هاب أسباب المنايا ينلنه … ولو رام أسباب السماء بسُلم».

وأخذ كعبٌ يُنشدُ الشعر وهو صغير، فنهاه زهيرٌ مخافة أن يقول ما لا خير فيه ولا منفعة، فلما علم زُهيرٌ باستمراره امتحنه امتحانًا شديدًا وسمح له بعدها بقول الشعر وكان أعلى طبقته.

ولما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم وذاع أمره بين العرب، ذهب إليه بجيرٌ أخو كعبٍ، ليستطلع الدين الجديد، فما كان منه إلا أن أسلم، فغضب كعبٌ غضبًا شديدًا وبعث له أبياتًا من الشعر يوبخه فيها على ترك دين الآباء والأجداد، ويُعَرِض فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:

فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا؟ ألا أبلغا عني بجيرًا رسالةً

على أيّ شيء غير ذلك دَلَّكا فبيّن لنا إن كنت لست بفاعلِ

عليه وما تُلفِى علَيهِ أبا لَكا على خُلُقٍ لم أُلفِ يوما أبا له

ولا قائل إمَّا عَثرتَ: لعًَا لكا فإن أنتَ لم تفعل فلستُ بآسفٍ

فأنهَلكَ المأمونُ منها وعَلَّكا سقاكَ بِها المَأمونُ كأسا روِيَّةً

فلما اطلع النبي على هذه الأبيات؛ أهدر دمه.

فامتلأ قلبه خوفًا وفزعًا مما أمر به النبي، وحاول الفرار فلم يستطع ووجد نفسه وحيدًا ولم يمد له أحدٌ يد العون، وتخاذل أمامه الناس، فبعث له بجيرٌ أن يأتي بين يدي رسول الله ليطلب العفو منه، فانطلق إلى المدينة وآوى إلى رجلٍ من جهينة وغدا به إلى رسول الله حين صلى الصبح، فصلى معه، ثم جلس كعبٌ متلثما بعمامته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكشف وجه وعرف عن نفسه، وهم به الأنصار ليفتكوا به، فقال لهم الرسول: دعوه فقد جاء تائبًا، فقبل النبي توبته، فأنشد كعبٌ يقول:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكول

وحين وصل إلى البيت: «إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ * مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ» خلع النبي بُردته الخضراء وأعطاها له كناية عن حمايته إذ لن يقتل الصحابة أحدًا مرتديًا بردة النبي فاشتهرت بعد ذلك بالبردة.

أَمِنْ تَذَكُرِ جيرانٍ بِذِي سَلَمِ

هي بردة محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله الصنهاجي البوصيري، ولد عام 709هـ بقرية دلاص، وتوفي عام 696هـ بالإسكندرية.

كان الإمام البوصيري كاتبًا وشاعرًا، وكان يجيد فن الخط وكان منشدًا للمدائح النبوية، وقد ذاع صيته بعد إنشاده قصيدة البردة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وله عدة قصائد أخرى يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم، منها قصيدة «الهمزية في مدح خير البرية» والتي مطلعها:

كيف ترقى رُقيَّك الأنبياء يا سماء ما طاولتها سماءُ
لم يساووك في عُلاك وقد حال سنى منك دونهم وسناءُ

وله قصيدة أخرى على وزن قصيدة كعب بن زهير «بانت سعاد» يقول في مطلعها:

إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئولُ

وقد عُنيَ الإمام البوصيري بقراءة السيرة النبوية ومعرفة دقائق أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، ما جعله يصب طاقته الشعرية في مده النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من ثمار مدائحه «البائيات الثلاث» فبدأ الأولى بقوله:

وافاك بالذنب العظيم المُذنب خجلًا يعنف نفسه ويؤنِّبُ

واستهل الثانية بقوله:

بمدح المصطفى تحيا القلوب وتغتفر الخطايا والذنوب

أما الثالثة -وهي أفضلهم- فيبدؤها بقوله:

أزمعوا البين وشدوا الركابا فاطلب الصبر وخلِّ العتابا

أُصيب الإمام البوصيري بالفالج -الشلل- فنظم قصيدةً في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى النبي في منامه يمسح بيده المباركة جسده وألقى عليه بردته الشريفة، فانتبه من نومه مُعافى قد برئ من علته، فلما خرج من بيته لقيه بعض الفقراء، فقال له: يا سيدي أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أي قصيدة تريد؟ قال التي أولها: أمن تذكر جيران…إلخ.

فأعطاها له وجرى ذكرها بين الناس.

وقد نظم الإمام الوصيري بردته في «مائة واثنان وستون بيتًا، منها اثنا عشر في المطلع، وستة عشر في ذكر النفس وهواها، وثلاثون في مدائح الرسول-عليه الصلاة ولسلام-، وتسعة عشر في مولده، وعشرة في يمن دعائه (في من عابه)، وسبعة عشر في مدائح القرآن، وثلاثة عشر في ذكر معراجه، واثنان وعشرون في جهاده، وأربعة عشر في الاستغفار، وتسعة في المناجاة.» (6)

ريـمٌ عـلى القـاعِ بيـن البـانِ والعلَمِ

هي بردة أمير الشعراء أحمد بن علي بن أحمد شوقي، ولد عام 1870م في إحدى أحياء القاهرة، وتربى في بلاط الملك، حيث تعمل جدته، درس الحقوق والترجمة، وتلقى تعليمًا أدبيًا على يد الشيخ حين المرصفي، وذهب في بعثة إلى فرنسا ليدرس الحقوق، وبعدها عاد إلى مصر والتحق بديوان الخديوي وفي العام الذي خُلِعَ فيه الخديوي نُفيَ شوقي إلى إسبانيا، وعاد بعد خمس سنوات إلى مصر، وخرجت الأهالي لاستقابله باعتباره رمزًا من رموز الوطنية المقاومة للاستعمار.

تأثر شوقي بشعراء العرب القدامى، مثل: المتنبي وأبو فراس وأبو العلاء وأبو العتاهية والبحتري و ابن زيدون، وقد عارض طائفة منهم، فعارض قصيدة ابن زيدون «النونية»، وعارض قصيدة الإمام البوصيري «البردة» وأسماها «نهج البردة» لأنه سار على نفس هدى كعب بن زهير والإمام البوصيري، فقد بدأها بالنسيب فبلغ 24 بيتًا، ثم تطرق للحكمة وضرب الأمثال في 14 بيتًا، ثم جعل التضرع والتوسل في ستة أبيات، ثم عبر بعدها إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم في 24 بيتًا، وأشار إلى معجزاته السماوية في ستة أبيات، ثم تناول مولده صلى الله عليه وسلم في ثمانية أبيات، وتبعها بثمانية أخرى تحدث فيها عن معجزة الإسراء والمعراج، كما بين مكانة الرسول في ثلاثة أبيات وانتقل بعدها إلى الحديث عن الهجرة وكيف نجَّى الله رسوله وصاحبه من الكفار، وتناول بعد ذلك جهاد النبي صلى الله عليه وسلم، داعيًا المسلمين إلى إحياء الفريضة السادسة وهي الجهاد في سبيل الله، ويمدح المسلمين الأوائل الذين أعانوا النبي في بداية دعوته، ثم تحدث عن جوهر الشريعة في 13 بيتًا بيَّنَ خلالها كيف غيرت مجرى التاريخ، ثم مدح الخلفاء الراشدين وجعل خامسهم عمر بن عبد العزيز في 12 بيتًا، ويختم قصيدته العصماء بـ14 بيتًا جعلها صلاةً وسلامًا على الأنبياء وعلى رأسهم نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم يعود إلى المسلمين المعاصرين فيدعوهم ليستيقظوا من رقادهم، ثم يتوجه إلى الله طالبًا منه أن يخفف العناء عن المسلمين ويحسن ختامهم كما أحسن بدأهم، فيقول خاتمًا قصيدته:

يا رب أحسنت بدء المسلمين به فتمم الفضل وامنح حسن مختتم.

ولماذا البردة؟

إن البردة لا تقوم مقام قصائد مديح الأمراء والملوك التي حفل بها الأدب العربي، فقد كان ثمة فارق بين أن يمدح أحدهم شيخ القبيلة، وبين أن يمدح رسول الله، فالأولى طلبٌ للعطاء المادي والقربة من الملوك والأمراء، أما الأخرى فهي اعتصامٌ بجاه النبي صلى الله عليه وسلم والتجاءٌ إليه، ولَوْذٌ بذاته الشريف، فهو الملجأ والحصن والمنعة من الدنيا وشرورها ومن النفس وأخطارها ومن الشيطان ووساوسه، فكل شاعرٍ من هؤلاء قد لاقى في حياته الصعوبات والمخاطر، ووجد ما حاق به وبالمسلمين من الشرور والأخطار الجِسام، فما يفعل وهو شاعرٌ قد أعيته الحيل، ولا يقدر على فعل شيء، ولا يُحسِنُ سوى الإنشاء والنظم؟

تُطل علينا كلُ بُردةٍ بقصة مختلفة وعِيِّ جديد يصيب الشاعر، فيهرع إلى رسول الله يبثه شكواه، فما بين كعب الوحيد والمُطارد والمنبوذ من كل قبيلة لجأ إليها في جزيرة العرب، وبين البوصيري المُصاب بمرضٍ عضال لم يجد له الأطباء دواءً، وبين الأمير شوقي وهو يرى خلافة المسلمين تُمَزق وتندثر ويتفرق شملها كانت البردة هي نوعٌ من طلب النُصرة، والاعتصام بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعن عليٌ بين أبي طالب أنه قال: «كُنَا إذا احمر البأس، ولَقِيَ القومُ القومَ، اتَّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه». وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُسْقَوْنَ.

إن كعبًا ومحمدًا وأحمدًا لا يمدحون النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل يطلبون وطنًا يُؤيهم من غربتهم التي لا يجدون منها مفرًا، ويرغبون في نبراس يضيئ حياتهم المظلمة بالضعف والمرض وتداعي الأمم على أراضي المسلمين، كل منهم قد لاقى في حياته من المصاعب ما لم تحتمله نفسه فلجأ إليه.

أما كعب، فقد ضاقت به الدنيا بما رحبت، بعدما تخلى عنه أخوه، ولفظته كل قبيلة استجار بها، لم يقبله أحد، ولم يشفع له أحد، وهو هاربٌ وخائفٌ. وهو في هذه الحالة، لاح له نور رسول الله، فذهب يستجدي هذا النور ليمحي به ظلام وحدته، ويُذهب عنه برد الطرد والنبذ، فما كان من رسول الله إلا أن أجابه، فرحل عنه ما به من ضيق وظلام وبرودة.

إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ … مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ

وأما محمد، فقد أعياه الاستجداء بالشعر، وأصابه مرض عضال، لم يجد له الأطباء شفاءً، فما وجد غير سبيل كعب ينهجه، فصاغ قصيدته العصماء مادحًا رسول الله، فأصابه ما أصاب كعبٌ من النور النبوي، ورأي رسول الله في المنام يلقي عليه بردته الشريفة، فقام من نومه وقد ذهب عنه مرضه.

ما سامَنِي الدَّهْرُ ضَيْمًا وَاسْتَجَرْتُ به إلاَّ اسْتَلَمتُ النَّدَى مِنْ خَيْرِ مُسْتَلَمِ

وأما أحمد، فقد شهد الخلافة الإسلامية، حتى مع انفصال مصر سياسيًا عنها، إلا أن الرابط الديني كان لا يزال معقودًا، ثم شهد أحمد غزو الصليبيين لمعاقل المسلمين، وتحكمهم في شؤون المسلمين، وانفراط عقدهم، واختلاف كلمتهم، وتربص عدوهم، فما كان منه إلا أن سار على خطا كعب ومحمد، فراح يطلب النور والهدى لتلك الأمة من رسول الله.

فالطُف لأجل رسول العالمين بنا .. ولا تزد قومه خسفًا ولا تُسم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!