لم يكن توان المسكين بطل قصة موباسان القصيرة يدرك أن أسوأ ما حدث له لم يأت بعد، كان قد أصيب بالشلل وأصبح طريح الفراش، وكان توان براندي قبل هذا المرض ضخم الجسم، مرح المعشر، يسقي الكونياك لقريته وللقرى المجاورة، يأتي إليه الناس خصيصًا ليشربوا معه، ويسمعوا قصصه المسلية، ويضحكوا عليها حتى الاختناق، ويضحكوا أكثر على شجاره الدائم مع زوجته وسبابها له؛ فقد كانت الزوجة عجوز شريرة سيئة الطبع ساخطة على كل شيء، خاصة أنها لم تنجب منه.

– انتظروا و سينفجر توانكم البراندي كجوال من الحبوب. هكذا كانت تقول للسكارى في حانوته الذي جلب الشهرة للقرية، فيضحكون متلونين من نشوة الخمر والضحك معًا، إلى أن وقع توان بالفعل صريع الشلل، وكان الناس يأتون إلى الحانة؛ فيدعوهم توان إلى غرفته في آخر الليلة مستأنسًا بهم، خاصة أنه لم يفقد روحه المرحة وقدرته على إضحاك الموتى بشجاره مع الأم توان، إلى أن اقترح أحد الأصدقاء عليها ما نغص على توان حياته أكثر من الشلل، وهو أن تأتي ببيض الفراخ وتضعه تحت زوجها، خاصة أن الفراش دافئ كالموقد، وعندما يفقس سيجلب لها هذا بعض الدواجن، رفض البائس بالطبع، فما كان منها إلا أن حرمته من الطعام، حتى رضخ ووضعت البيض تحت زراعيه.

لم يكف توان عن السؤال عن الدجاجة التي أصبح رديفها، هل فقس البيض، نعم فقست سبع بيضات، وثلاث فسدت، كم سيفقس يا ترى؟ لا يعرف، المهم أن ينتهي عذاب الحمل هذا، انتهى العذاب بالفعل صبيحة أحد الأيام  على وقع دغدغة غير مألوفة تحت ذراعه الأيسر؛ فأمسك بالكائن الأصفر صارخًا، فجاءت زوجته وأخذته منه غير مصدقة، وعندما جاء الليل كانت الفراخ كلها فقست، فلم تفسد بيضة واحدة في حوزته، وكان توان يرتج من كثرة الضحك حاضنًا الفراخ الصغيرة آخذًا في تقبيلها وكأنها عوضته عن شعور الأبوة.

الحقيقة أن الموقف المتعاطف مع توان وأفراخه لا يتعارض مع الموقف الرافض لنفعية الزوجة وحرصها على الربح، فالزوجة بقسوتها الرأسمالية تمثل النيوليبرالية في العصر الحالي التي تقدم الربح على الإنسان، ومفهوم المستهلك على مفهوم المواطن، ولا تمثل الديمقراطية في هذه الحالة حلًا أو وسيلة فعالة لمكافحة التوحش النيوليبرالي، فالعملية السياسية مسيطر عليها، وكذلك الإعلام الذي تموله الشركات الكبرى، وبالتالي فإن العملية الانتخابية مقطوعة الصلة بكل قوة شعبية غير قوة السوق ومصالح الشركات الكبرى.

يعطينا كتاب الرأسمالية والحرية لميلتون فريدمان – الأب الروحي للنيوليبرالية – مثالًا لعدم قدرة الديمقراطية على الوقوف في وجه النيوليبرالية، أو بالأحرى مثالًا للفهم الخاطئ للديمقراطية من جانب النيوليبراليين، ففيه يقول مؤلفه: إن تحقيق الربح يمثل جوهر الديموقراطية، وبالتالي فإن الحكومة التي تتبع سياسات معارضة للسوق هى في الواقع حكومة غير ديمقراطية بغض النظر عن مدى الدعم الشعبي الواعي الذي تتمتع به.

لكن الكتاب لم يذكر أنه ليس في وسع الحكومات أصلًا معارضة النيوليبرالية، وقوى السوق بشكل جذري وديمقراطي حقيقي، فمع أدوات الاختراق والسيطرة المتمثلة في منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين، استطاعت أمريكا، ومن ورائها الشركات العالمية التدخل في شئون الدول الأخرى والسيطرة على القطاعات التي تشكل عصب الحياة الاقتصادية لهذه الدول، وطبيعي بعد هذا أن يجري تسمية النظم القومية المهددة لمصالح الشركات الكبرى بالتفاحات العفنة التي قد تفسد برميل التفاح بأكمله، حتى ولو كانت نظمًا ديمقراطية مثل حالة الليندي في شيلي السبعينات.

لذلك فإن النيوليبرالية هى رأسمالية بلا قفازات، رأسمالية بلا ديموقراطية حقيقية تستطيع أن تنظم نفسها وتواجه قوى البيزنس التي لا هم لها سوى الربح.

يذكر الأستاذ نعوم تشومسكي في كتابه الربح مقدمًا على الشعب، أن تسعين بالمائة من التعاملات المالية الدولية في العام 1971 كانت مرتبطة بالاقتصاد الحقيقي كالتجارة والاستثمار طويل الأجل، والباقي كان في مجال المضاربة، ومع حلول العام 1990 تغيرت بنية تدفق رأس المال وعكست النسب السابقة، وفي 1995 صار حوالي 95% من التعاملات الضخمة جدًا في مجال المضاربة، مع تدفقات يومية تفوق إحتياطي النقد الأجنبي للدول الصناعية السبع الكبرى – أكثر من تريليون دولار يوميًا – حذر علماء اقتصاد بارزون من خطورة الظاهرة، وأنها ستؤدي إلى خفض معدل النمو الإقتصادي وتدني الأجور، واقترحوا حلولًا بسيطة لمنع هذه النتائج، غير أن كبار مهندسي إجماع واشنطن لم يحركهم سوى نهم الربح ففضلوا النتائج الحالية.

إن صنم الربح الذي تعبده قوى البيزنس والسوق لن يسمح لهم بالتفكير في ديمقراطية فاعلة أو عدالة اجتماعية أو إعلام واع، غير أن هذا لا يعني فقدان الأمل وسعي الشعوب نحو تنظيم نفسها، وبناء نظام اجتماعي أكثر إنسانية وعدالة، نظام لا توجد فيه عجوز موباسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد