إن تاريخ الترجمة قديم قِدَم الإنسان، فقد لجأ إليها البشر منذ الأزل لحل إشكالية التواصل مع الجماعات ذات الألسن المختلفة والثقافات المتنوعة والعادات المتفاوتة. فهذا الدور الذي لعبته الترجمة وما تزال، في خدمة الشعوب والتقريب بينها، هو ما خوّلها هذه المكانة العالية، إذ كانت دائمًا عمادًا قامت عليه الحضارات، وركنا أُسّست على قواعده قيمُ الإنسانِ ومبادئُه.

فالترجمة باعتبارها علما، بل من أهم العلوم، إذ إن قيمة العلوم ترتبط ارتباطا وثيقا بقيمة المنفعة التي تحققها وقدر حاجة الناس إليها. تتطلب شروطًا ينبغي أن تتوافر في المترجم، وقد حدد علماء الترجمة هذه الشروط التي نجد من بينها – على سبيل المثال لا الحصر – إجادة اللغتين: اللغة المنقول عنها واللغة المنقول إليها، أو بعبارة أخرى، اللغة المصدر واللغة الهدف؛ بالإضافة إلى الإحاطة بثقافة بلد اللغتين لأنه كما يعلم الجميع، فالترجمة ليست فقط عملية ميكانيكية تُحول الكلمة إلى كلمة تقابلها في اللغة الهدف، وإنما هي أيضًا عملية نقل مفاهيم ورؤى تختلف باختلاف الثقافات والأعراف.

وفوق كل هذا، فإن الترجمة تحتاج إلى حس مرهف وفنيّ، وهذا حتى يتمّ نقل الصور البيانية، والتشبيهات، والأمثلة إلى اللغة الهدف، متوخين إثارة مشاعر القارئ بنفس ما كانت ستثيره فيه كلمات النص الأصلي بلا إخلال أو إطناب، كما نبه على ذلك اللساني الكبير: نيدا يوجين[1]. كما أن على المترجِم أن يكون كاتبًا بالدرجة الأولى، إذ إن الترجمة كتابة ثانية، أو إعادة كتابة لنص بحمولته التاريخية والثقافية، مسكوب في قالب ثقافي جديد، منسوج من روح كاتبه الثاني. وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن يُفرّغ النص من مقاصد كاتبه الأصلي ولا أن تُغير معانيه ويُعتدى على ملكيته الأدبية.

وقد ظهرت مع شدة احتياج الناس للترجمة تساؤلات ما زالت تبرز بين الفينة والأخرى، والتي نجد من أهمها التساؤل حول أي نوع من الترجمة ينبغي تبنيه. هل يُستحسن أن تُترجم النصوص ترجمة حرفية وأن تعاد صياغة أفكار الكاتب الأصلي مع المحافظة على المعنى وذلك بإنتاج نص مترجَم حرْفيًّا عن النص المصدر؟ أم ينبغي تجاوز الحَرفيةِ مع الإبقاء على المعاني الأساسية إذ يصعب والحالة هذه أن ننتج نصا يجمع بين الجمالية والتماسك مع الحفاظ على المعنى؟ لا شك أن الترجمة الجيدة هي التي تنقل الشكل والمضمون، لكن ولصعوبة ذلك فإن على المترجِم أن يجد حلولا بديلة بحيث يصوغ داخل اللغة الهدف دون أن يلوي عنق التراكيب ولا أن يشوّه مبنى المفردات حتى يرى كل من يقرأ النص بأنه ليس فقط مترجمًا وإنما هو مترجم ترجمة سيئة!

وهذه التساؤلات إنما تزداد أهميتها حين يتعلق الأمر بالترجمة الأدبية التي تعتبر من أهم الترجمات وأصعبها، إذ إن النص الأدبي بالأصل نص فنيّ ومعبر، ولمّا تعوّد الإنسان منذ فجر التاريخ على التعبير عن مشاعره وتصوير أفكاره وتفريغ هموم البشرية من خلال النصوص الأدبية، شعرا كانت أو رواية، قصة قصيرة أو مسرحية، مقامة أو مقالة، فكان لا بد من المحافظة على مميزات النص الأدبي والأغراض التي نشأ من أجلها، والتي نجد على رأسها: التعبير عن الحياة[2].

إن من أكبر المشاكل التي تعترض طريق مترجِم النصوص الأدبية هي الاختلاف الثقافي[3] الذي قد يصل أحيانا إلى التضاد في الفكرة الواحدة، وحينها يكون على المترجِم توخي الحيطة لتقديمها بما يلائم طبيعة وعقل المتلقي. ومن هذه المشاكل ما يرتبط بالبيئة، فنجد عند الأوروبيين أقوالا للتعبير عن إدخال السرور بحيث يربطونها بحرارة الجو الذي يفتقرون إليه عادة ومنه قول الفرنسيين:

«Ça me réchauffe le cœur»، في حين أن العرب يربطون إدخال السرور ببرودة الجو لأنه النادر عندهم بقولهم «أثلج صدري». ومنها أيضا اختلافات ترجع للأيديولوجيات ووجهات النظر المنبثقة غالبا عن الدين، فنجد عند الأوروبيين في تعبيرهم عن العلاقة الجنسية المثلية -بعيدا عن المفردات التي تستخدم بين الناس لتبادل الشتائم- عبارة محايدة: L’homosexualité، في حين أن هذه الظاهرة في العالم العربي ولفترة طويلة، ظل يُعبّر عنها بالشذو ذ الجنسي الذي قد يحمل في طيّاته شيئا من الإهانة[4]، حتى بدأت مجموعة من الجمعيات والحركات الداعية لتقبل هذه الأمور واستخدام عبارة المثلية الجنسية عوضًا عنها.

ثم يُضاف إلى هذا وذاك، مشكلة الترجمة الأدبية إلى اللغة العربية خاصة دون بقية اللغات، وذلك راجع لتعدد ثقافات الدول الناطقة بلسان الضاد، واختلاف رؤاها. ويظهر هذا الإشكال بوضوحٍ أكبر عندما يكون على المترجِم ترجمة عبارة عامية استخدمها الكاتب، خاصة في الحوارات. فاللغة العربية رغم جمالها وجلالها، إلا أنها تبقى لغة عُلْيَا، أو لغة عالية، يصعب التعبير بها عما يتداوله الناس في حياتهم اليومية بشكل تفاعلي وعفوي. وإذا كان لا بد من اختيار بعض الكلمات العامية فأيها نختار؟ لغة المشارقة من شاميين ومصريين، أم لغة الخليجيين، أم لغة المغاربة؟ وإن الناظر إلى النصوص الأدبية الغربية لَيَجدها مليئةً بالألفاظ العامية وأحيانا بالألفاظ الخارجة بما تحار معه الألباب حتى يتمنى المترجِم لو أن للعرب عامية واحدة حتى يخلص إلى برّ الأمان. فهذا طه حسين وهو يشيد بلغة نجيب محفوظ رغم أن صاحب رائعة أولاد حارتنا كان يلجأ للعامية: «وقد تجري فيها الجملة العامية أحيانًا حين لا يكون منها بد فيحسن موقعها، وتبلغ منك موقع الرضا»[5] فاللجوء لهذه اللغة حين لا يكون هناك بد من ذلك، شيء قد حُسم لولا اختلاف اللهجات واللغات الدراجة، فيبقى الإشكال قائمًا عندما لا يكون الكِتاب موجهًا للتوزيع في بلد واحد وإنما في كل الأقطار العربية، فيُخشى حينها اللَّبس.

ولا شك أن هذه التحديات تزداد أكثر عندما نكون أمام نصوص أدبية تندرج ضمن فن الكتابة الذاتية المتخيلة (التخييل الذاتي) أو l’autofiction، والذي لا علاقة له بالسيرة الذاتية، وإن كان قريبا منها وغالبا ما يحدث خلط بينهما، وقد كان الكاتب الكبير ألان روب كريي يتساءل قائلًا: «هل هي حقا سيرة ذاتية؟»

وإن كان هذا النوع من الأدب قديما، إلا أن أسماء كبيرة اليوم ترفع لواءه، وكتّاب كثر لا يقسمون إلا بهذا الأدب ولا يرون الكتابة تستقيم إلا إذا فاضت من وجدان عاش تفاصيل ما يرويه. ويعتبر كتّاب التخييل الذاتي أنفسهم أشخاصا خياليين فيحق لهم أن يتواجدوا داخل تفاصيل قصة يفترض أن تكون خيالية، لأن الرواية من خصائصها أن تكون من الخيال، وإن أدرجت فيها أحداث حقيقية أو بنيت القصة حول حدث واقعي. وقد كان الأستاذ الكبير سيرج ديبروفسكي يقول: «أنا كائن خيالي»، أما كلووي دولوم فكانت تقول: « اسمي كلووي دلوم، وأنا شخصية من وحي الخيال». فهذه نوعية من الكتابة تصعب ترجمتها لأن الكاتب يتماهى فيها مع البطل أو الأبطال، ويصير على القارئ ليس فقط أن يتتبع سير الحبكة والأحداث، وتصاعد المواقف، ولكن أيضا البحث عن الكاتب بين السطور! هل هو المقصود بهذا الكلام؟ هل عاش هذه الظروف؟ هل هو موجود فقط في شخصية البطل أم أنه وضع في كل شخصية جزءا من كيانه وشيئا من حياته؟

تختصر الكاتبة كلووي دلوم صعوبة قراءة هذه النصوص وهي تكلف القارئ بأن يبحث بنفسه عن «أنا» الكاتب ثم يسعى لجرد الوسائل التي تجعلها تنشأ داخل النص. فإذا وجدنا هذه الـ «أنا» في اللغة الأصل، فكيف ننقلها إلى لغة أخرى ونمكّن القارئ من إيجادها؟ فإذا كانت السيرة الذاتية واضحة منذ البداية لأن الكاتب يلتزم بشروط الكتابة الذاتية التي سطرها لوجون في ميثاق السيرة الذاتية (أن يقول الكاتب الحقيقة، كل الحقيقة، وأن يتكلم عن نفسه باستخدام «أنا»)، فإن التخييل الذاتي يصعب معه تحديد وجود الكاتب. فكأن كاتب التخييل الذاتي يرتدي (طاقية الإخفاء)، فالكل يعلم أنه موجود لأنه يحرك أشياء من حولنا ويجعل أشياء أخرى تتطاير في الجو، لكن لا أحد يستطيع تحديد مكانه بشكل دقيق.

والترجمة كما هو معلوم لا تكون جيدة حسب رأي أغلب اللسانيين وعلى رأسهم نيدا، إلا إذا حرك النص وأثار نفس المشاعر التي يحركها النص الأصلي وأنتج ردة الفعل نفسها. فلا بد إذن من الاقتراب من المعنى وأيضا من الأسلوب، وهذا يصعب في الترجمة الأدبية عامة، وتزيد صعوبته عندما يتعثر المترجم بضياع «أنا» الكاتب منه وملاحقته طوال فصول الرواية. فلا عجب أن يضيع المترجم والقارئ ورواد هذا الفن يصرحون بأنهم يعملون على التشويش وإخفاء كل العلامات التي تميّز بين الصورة، ما تظهره وما تخفيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد