التاسع من أغسطس (آب) هو الذكرى الحادية عشر لرحيل محمود درويش، الذي وثّق لنا كثيرًا من الأحداث السياسية في قصائده وشعره، فكانت بمثابة توثيق أدبي لمجموع الأحداث التي عاصرها وذكرها في دواوينه.

فالقارئ لشعر محمود درويش لا بدّ أنّه صادف قصائد كثيرةً من هذا النوع، كقصيدةِ «مديح الظل العالي» التي وثّق فيها أحداث أيلول الأسود، إذ قال فيها:

بحرٌ لأيلولَ الجديدِ. وأنتَ إيقاعُ الحديدِ تَدُقُّني سُحُبًا على الصحراء،

فلتمطرْ
لأسحبَ هذهِ الأرضَ الصغيرةَ من إساري .

لا شيء يكسرنا،

وتنكسر البلادُ على أصابعنا كفُخَّارٍ، وينكسرُ المسدَّسُ من

تلهُّفِكَ .

انتصرْ، هذا الصباحَ، ووحِّد الراياتِ والأممَ الحزينة َ والفصولَ

بكلِّ ما أُوتيتَ من شبق ِ الحياةِ،

بطلقةِ الطلقاتِ

باللاشيء

وحِّدنا بمعجزةٍ فلسطينيةٍ …

بيروت قصَّتنا

بيروت غصَّتنا

وبيروت اختبارُ الله

فكانت هذه القصيدة بمثابة توثيق لما حلّ بأبناء فلسطين في بيروت، فإذا بنا كلّما قرأناها رأينا شريط تلك الأحداث يُكرّر نفسه في الذاكرة دون توقّف.

ونمُرّ على قصيدة أخرى يرثى بها الكاتب الفلسطيني المقاوم غسان كنفاني، في محاولة منه لوصف بركان غسان الثائر إذ يقول:

هاهم أولاء يتبارون في رثائك، كأنهم يرثون فردا.

آه… من يرثي بركانًا!

هذه لحظتكَ. فلا تجمع أشلاءكَ ولا تَعُدْ… لا تَعُدْ. لا تنتظرنا في المَهاجر. كان يجب أن نراك… أن نعرفك… أن نسير معك قبل اليوم. ولكن الموت لم ينضج فينا.

نُعزي أهلك؟ لا.

نعزي أنفسنا؟ لا.

نذهب إلى جبل الكرمل ونعزيه.

نذهب إلى شاطئ عكا ونعزيه.

نذهب إلى فلسطين ونعزيها.

هي المفجوعةُ. هي الثَّكلى.

نعزيها أم نهنِّئها؟ لا أدري.

فنَرى غسان كنفاني في شعر درويش، ونَرى الخيمة ومعاني اللُجوء في قصائد درويش، ونَرى البطل الفلسطيني والشهيد بين سطور درويش، ونَرى فلسطين الأرض والأم والحبيبة في دواوين درويش وصوته، فهو الذي رسم لنا صورةً مُكتَمِلةً لكلّ ما هو فلسطيني في كلماتهِ وقصائدهِ قبل أن يرحل.

في هذا اليوم بالذات – أي في ذكرى رحيل درويش– قامت قوات الاحتلال بقصف مؤسسة سعيد المسحال الثقافية في غزة، فعلاً أعلم إذا كان الأمر محض مُصادفة – رغم أنني لا أؤمن بالمصادفات– أم أن الأمر مُخطط؛ لهَزِّ البنية الثقافية والأدبية التي يتكئ عليها أبناء غزة منفذًا لبثِّ رسائِلِهم وإبداعاتِهِم من خلالها، وأحيانًا مَهربًا من الواقع المُر والخانق الذي يحيط بهم.

سوي المبنى بالأرض يا درويش، وقُتلت الذكريات بالقذائف دون رحمةٍ، ودون مُراعاة لمشاعر أهلها وأصحابها، ودون أدنى اهتمامٍ لما تُمثّله هذه المؤسسة الثقافية لدى الشباب الغزيّ، فالحربُ لا تعرف حُرمة العلم والأدب، ولا تأبَهُ بالمشاعرِ والذكرياتِ، ولا يعنيها القصائد والحبيبات، إنَّها لعنةٌ لا تعرف سوى القتل والدم، ولا شيء غيره!

آهٍ يا درويش آه!

من سيُوثّق اليوم ما حصل؟! من سيُخبِرُ الأجيال عن مؤسسة سعيد المسحال وما حوَتْهُ من آدابٍ وثقافات؟! من سيُخبِرُ الأجيال عن الضحكات التي اختبأت بين جَنَبَاتِ المكان كل لقاء؟! ومن سيُحدّثهم عن دهشة الحضور عند سماعِهِم لقصيدةٍ جديدة وفَرْطِ حماسِهِم أمام أغنيةٍ جميلة؟! من سيُحدّثهم عن كل هذا يا درويش؟! بربِّكَ أجِبْنِي؟!

رحلتَ يا درويش وبقيت كلماتكَ عالقة في أذهاننا، رحلتَ وما رحلتْ روحكَ من بيننا ولا صوتك، إنّهما عالقان فينا، يرفضان التلاشي، واليوم -يا درويش– غابَ عنا صرحٌ ثقافيٌّ آخر، لطالما ضمَّ القصائد والأغنيات والكثير من المواقف التي لا يذكرها سوى أصحابها، فبكى الجميع، أجل يا درويش، لقد بكوا لفَرْطِ حُزنهم وألمهم على ما حلّ بهذه المؤسسة التي كانت بمثابة حضن يهربون إليهِ من قسوة الحياة، وصارت ذكرياتُ المكان عالقة في الحلق غصة تأبى الزوال!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مديح الظل العالي
وداعاً أيتها الحرب، وداعاً أيها السلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد