قد يكون أهم ما يحاول أن يتوصل إليه هذا المقال في نهايته هو مقدمته، ببساطة أن تكون واعيًا بالطريقة التي ستختارها لتسويق ذاتك، أو دعنا نقول الطريقة التي تفضل عرض أعمالك من خلالها، إن شئنا التمسك بفكرة أننا نقدم قطعًا فنية للوجدان الإنساني بدلاً من مجموعة سلع، سواءً كانت رخيصة بالكامل، أو رخيصة المحتوى، مع لسمات أخيرة متقنة، أو في حالات قليلة جيدة.

 

لاحقًا في عمرٍ متأخر من التجربة – أي تجربةٍ كانت- يظهر بوضوح أن تغيير المسار الذي اخترت السير فيه من البداية هو أمر من الصعوبة بما كان، كما أن أي محاولة للظهور بصورة ذات طبيعة مزدوجة يتطلب قدرًا كبيرًا من المهارة والحرفية، إلى الحد الذي يجعل ظهور أمثلة لأشخاص استطاعوا خلق أعمالاً فنية خالدة في أكثر من فرع من فروع الفن هو أمر نادر جدًّا.

 

وعلى سبيل الاستدلال لما سبق فهناك شكسبير مثلاً المعروف بتراجيدياته الخالدة ذات الأثر العميق في النفس الإنسانية على مر الأجيال، شكسبير نفسه كان كاتبًا رائعًا للكوميديا الجيدة، وعلى الرغم من ذلك فقد اختار الرجل أو اختير له أن يخرج بثوب واحد للظهور في تاريخ الأدب، على الجانب الآخر هناك موليير المعروف بكوميدياته رغم كتاباته المبهرة في تجاربه ذات الطابع المأساوي، في النهاية سيظل موليير يُعرّف دائمًا بأنه كاتب المسرحيات الهزلية.

 

أما أحد القلائل الذين استطاعوا الظهور بأشكال متباينة، وتمكن من تقديم نفسه على أنه كاتب شامل فكان الألماني جوته، ويمكن إرجاع مشكلة اضطرار الكتّاب إلى الالتصاق الاختياري ظاهريًّا بصفة فنية واحدة أو بمعنى قولبته في قوالب معدة مسبقًا من النقاد إلى سببين رئيسين، وهما:

 

الأول يختص بالعلاقة ما بين الكاتب وعموم الجمهور من جهة، وما بين الكاتب وصفوة القرّاء من جهة أخرى، وبغض النظر عن ما إذا كانت توجهات عموم الجهمور هي من تملي رغباتها على صناعة الأدب، أو كان صُنّاع الوعي العام هم من يفرضون هذه الاتجاهات على الجمهور من البداية، فليس لنا اختيار سوى الاعتراف بأن الجمهور هو أساس المشكلة، أو على الأقل هو أحد التوربينات الرئيسة في عالم الأدب.

 

هناك حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها وهي أن لا أحد على الإطلاق يحاول خلق أيّ نوع من الأعمال الفنية ليرميها في البحر، ربما فقط لو كان متعاقدًا مع دار نشر في أطلانطس مثلاً، فالجميع تقريبًا بلا استثناء يكتبون أو يقومون بالرسم أو كتابة المقطوعات الموسيقية للحصول على نوع من الاعتراف والتقدير في الغالب، أو للحصول على المال في حالات أخرى، وحتى بالنسبة لهؤلاء الذين اشتهروا بعد موتهم فمن المرجح أنهم كانوا يفعلون ذلك لأسباب متصلة بالآخرين أيضًا، كإحباط نفسي ناجم عن تجاهلهم مثلاً، وإن كان هذا أو ذاك، فالفن في صميمه هو مشاركة وجدانية بين الفنان وغيره، تقتضي اتصالاً على مستوى أو أكثر بين الصانع والمستهلك.

 

أما على الجهة الأخرى فيوجد نخبة من الجمهور، وهم صفوة القُرّاء من واسعي الاطلاع، وقطاعات الأدباء والفنانين، وهي طبقة انتقائية جدًّا في اختياراتها، بحيث ترفض مشاركة الاهتمام بالفنان أو بالعمل الفني مع غيرها من الطبقات الأقل دراية، وتبحث في الغالب عن أنواع من الأدب الصعب – من حيث اللغة و الأفكار- الذي يتطلب بذل مقدار لا بأس به من المجهود لسبره والاطلاع عليه.

 

ولا أظنه من الإنصاف أن نختم حديثنا في هذا المضمار دون الإشارة إلى اعتقادنا الراسخ أن الأعمال الجيدة ليس شرطًا أن ترتبط بطقوس معينة، ولا أن تكون موجهة لطبقة بعينها أو تكتب باستلهام من غايات عظيمة ومقاصد نبيلة، فعلى سبيل المثال فقط لدينا السيمفونية التاسعة لبيتهوفن كانت قد كُتبت بناءً على طلب من دار نشر موسيقية مقابل عشرات الجنيهات، وأظن أن العمل الجيد كما قلت لا يتطلب اشتراطات معينة، بل يظهر كلما أراد لنفسه ذلك إن توفرت مجموعة ترتيبات ومصادفات مختلفة طبعًا عن مثيلاتها في كل حالة من حالات ولادة عمل فني.

 

 

وبالتأكيد مبدأيًّا إذا كانت خامة الأديب عالية الجودة في الأساس. ونُخلص من ذلك إلى أن الكاتب سيبقى دائمًا تحت جذب وشد من طبقات القراء المختلفة، ويمكننا القول أن بالنسبة لمن لا يملكون رفاهية استهداف طبقة محددة ولا يستطيعون التخلص من ارتباطهم بعموم الجمهور، سواء كان ارتباطًا ماديًّا أو شعوريًّا، فلا مجال لديهم لتجاهل العامة وتجاوزهم إلى النخبة، ومن هنا كان على المنتج الأدبي الجيد في هذه الحالة أن يكون غير خاضع لأهواء العامة، ولكنه في نفس الوقت ملائم لأذواقهم.

 

أما السبب الثاني فيختص بطبيعة الأدب ذاتها، وبإمكاننا تبيّن التفاوت الكبير بسهولة بين الحفاوة المهداة لأنواع مخصوصة من الأدب وتفضيلها على أنواع أخرى، والحقيقة أنها نالت ذلك عن استحقاق منها وليس كنوع من المحاباة.

 

ويظهر فعليًّا عجز عدة أنواع من العلوم والفنون الإنسانية عن طرح نفسها بنفس قوة وتأثير أنواع أخرى، وكما أسلفت لم يكن هذا خطأ الكاتب أو القارئ أو غيرهم، بل هو استحقاق أصيل لاعتبارنا الفنون كيانات تملك نوعًا من الروح والإرادة، وتتنافس فيما بينها على الدرجات والشرف، وليست مادة خام تخضع خضوعًا مطلقًا لتصرفات الفنانين.

 

ولننظر إلى الكوميديا كمثال حيٍ على ذلك، فحتى باستثناء الكوميديا السطحية فإن أعمال الكوميديا العميقة والناتجة عن رؤى فلسفية حقيقية كالكوميديا السوداء، وحتى لو كانت ذات ملامح أدبية صميمة أو طابع إصلاحي واضح، فإنها لم تدخل يومًا حيز المقارنة مع أعمال التراجيديا، ولم يتم مناقتشها جديًّا أبدًا وتناولها بأي دراسات نقدية حقيقية، وحتى المآسي الأدبية نفسها يتم تقسيمها تبعًا لمداخلها الفكرية وما تنطوي عليه من أسئلة وجودية.

 

وكمثال فجوته نفسه يتحدث عن عمق التجربة في حالة بطل مسرحيته “فاوست” ويصنفه في رتبة أعلى من مأساة أخرى للكاتب نفسه، وهي روايته “آلام فيرتر”، فعلى الرغم من التجربة الذاتية في آلام فيرتر فالعمل الأدبي المبني على الألم النفسي لمأساة شخصية رومانسية للكاتب حتى وإن خُلد في شكل رواية رسائلية.

 

أقول حتى وإن نال من المكانة كل ذلك فلا يمكن أن يضاهي العمل الأدبي الممزوج بالفلسفة في “فاوست” والظاهر من خلال بحث البطل الدائم عن جوهر الحياة والهدف منها وما إلى ذلك، وهذا ما يقره الكاتب نفسه.

 

والمقصود أنه لسبب أو لآخر فإنه قد تم ترتيب مجمل الفنون ترتيبًا هرميًّا مع الوقت قد يكون كالتالي (الفلسفة، الشعر، المسرحية المأساوية، الرواية، المسرحية الهزلية، ثم أخيرًا القصة) وبغض النظر عن كون الترتيب السابق صحيح أم كان هناك ترتيب آخر أدق، فلا شك أن الأدب كيان حي مستقل بذاته، يمارس نوعًا من التصنيف والتطهير الذاتي باستمرار.

 

وأتذكر أن أحد الأدباء المصريين الكبار قد تحدث مرة عن مجموعة مقالات ظهرت على صفحات منشورات عالمية في الخمسينيات تناقش ما إذا كان يمكن اعتبار القصة من الأدب أم أنه يجب التوقف عن ذلك، وسواء اعتبرنا ما ذكرناه جيدًا أم سيئًا، هو في النهاية واقع يحتم عليك أن تقرأ مقدمة المقال مرة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد